موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٨ - نظرة لسائر المباني والأصول الحاكمة
من لا يعرف فيها الحقّ ولا يصنع فيها المعروف» [١].
ولا شك أنّ هذا الكلام ليس ناظراً فقط إلى الأموال العامّة وبيت مال المسلمين، بل ربّما لا يشملها أساساً ومنصرف عنها، وينحصر المراد منه بالأموال والأملاك الخاصّة والشخصيّة للأفراد، ولكن بسبب تقدم مصالح المجتمع وكيان الإسلام والمسلمين على مصالح الفرد فإنّ الإمام عليه السلام يريد القول: إنّ إنفاق هذه الأموال وإن كانت بصورة ملكية خاصة، بيد الأشخاص الذين لا يفكرون إلّابمنافعهم الشخصيّة والذاتيّة ولا يفكرون بحق وحقوق المجتمع ولا يتحركون على مستوى دفعها للمستحقين، فإنّ ذلك يتسبب في فناء وزوال الإسلام والمسلمين.
٥. مبنى العقلانيّة والتدبير
إنّ الناشط الاقتصادي يجب أن يقبل بوجود سنن وقوانين حاكمة على منظومة عالم الوجود، فلو أنّه تصرف بدون حساب، وبذريعة التوكل على اللَّه ولم يهتم بتدبير أموره الاقتصاديّة ولم يتحرك بشكل عقلاني، فإذا تورط في ضرر وخسارة فلا يلومنّ إلّا نفسه ولا يلقي باللائمة على يد التقدير.
وعلى هذا الأساس فإنّ القرآن الكريم يحكم بعدم جواز وضع رؤوس الأموال في اختيار الجهلاء والسفهاء:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً» [٢]
بل يجب أن توضع زمام النشاطات الاقتصاديّة بيد المتخصصين الامناء:
«قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ» [٣].
ويقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام في كتابه لأهل مصر:
«ولكننّى آسى أن يَلِيَ أمر هذه الأمّة سُفَهاؤها وفجّارها فيتّخذوا مال اللَّه دولًا» [٤].
وورد عن الإمام الباقر عليه السلام في ذيل هذه الآية:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ
...» أنّه قال:
(إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد، لم ينبغ له أن يسلّط واحداً منهما على ماله الذي جعل اللَّه له «قياماً» يقول «معاشاً») [٥].
ونرى أنّ اللَّه تعالى قد خلق جميع الكائنات والمخلوقات على أساس قانون الحكمة وقدّر كلّ شيء بمقدر معين:
«إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» [٦]
ورزق كلّ شيء من خزائنه بمقدار محدود ومعين:
«وَإِنْ مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ» [٧].
نظرة لسائر المباني والأصول الحاكمة:
ومن السنن والمباني الأخرى الحاكمة على النظام الاقتصادي الإسلامي، والتي لا يمكن أن يمرّ عليها الناشط الاقتصادي المؤمن والمعتقد مرور الكرام، أنّ
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٦، ص ٢٨٥، ح ٢١٥٥٧.
[٢]. سورة النساء، الآية ٥.
[٣]. سورة يوسف، الآية ٥٥.
[٤]. نهج البلاغة، الرسالة ٦٢.
[٥]. تفسير القمي، ج ١، ص ١٣١.
[٦]. سورة القمر، الآية ٤٩.
[٧]. سورة الحجر، الآية ٢١.