موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٧ - ٤ ترجيح مصلحة المجتمع على المصالح الشخصيّة
المجتمع في ذات كونها تحترم مساعي الأفراد، مع تقديم مصالحة المجتمع بشكل عام، ومن هنا ينبغي الحيلولة دون تحوّل المجتمع إلى قطبين وطبقتين:
(أقلية ثرية وأغالبية فقيرة).
ولا سيما عندما يلتفت الناشط الاقتصادي إلى المبنى الأوّل يعني مالكيّة اللَّه:
«المال مال اللَّه يضعه عند الرجل ودائع»
فيدرك أنّه إذا أراد أن يؤدّي حقّ هذه الأمانة كما هو جدير بها، فإنّه يتحرك على مستوى إشباع حاجاته من موقع رعاية الاقتصاد والاعتدال في الاستهلاك، والباقي من ماله ينفقه في رفع حاجات أفراد المجتمع من الطبقة المحرومة والفقيرة.
وعلى هذا الأساس يقول الإمام الصادق عليه السلام في سياق الرواية المذكوة آنفاً:
«وجوّز لهم أن يأكلوا قصداً ويشربوا قصداً ... ويعُودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين ويَلُمُّوا به شَعَثهم» [١].
وخاصّة مع الالتفات إلى أنّ الوارد في التعاليم العرفانية والأخلاقيّة للإسلام أنّ المصلحة النهاية والسعادة الخالدة للفرد تكمن أساساً في رعاية مصالح المجتمع وأبناء نوعه وبالأخص أن لا يغفل عن منافع إخوته في الدين ويرى أنّ سعادته في الحياة تكمن في سعادة الآخرين وتنمية إمكاناتهم وإزدهار معيشتهم [٢].
والملاحظ في صفة «قوام» فيما يتصل بالأموال ومصالح الإسلام والمسلمين يعطي هذا المعنى أيضاً، فالقرآن الكريم عندما يريد النهي عن وضع الأموال بيد السفهاء، يصفها بأنّها (أموالكم) وأنّكم (قائمون عليها) ويقول:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً» [٣]
، فالتعبير ب
«أموالكم»
و
«لكم»
مع أنّ الكلام يرتبط بحفظ الأموال التي يملكها السفهاء، يشير بشكل واضح إلى أنّ جميع الأموال الموجودة لدى جميع الأفراد المسلمين تتعلق بمعنى خاص بجميع المسلمين ولخدمة وتقويم مصالح المجتمع الإسلامي.
وهذه النقطة تشير إلى هذه الحقيقة، وهي أنّه لا عبرة ولا أهمية لكمية وكثرة أو قلّة الأموال بل المهم هو كيفية تداول هذه الأموال وتقويمها وتقويتها للمجتمع وذلك عن طريق دفعها للأشخاص الذين يملكون العقل والتخصص اللازم في مجال تدبير الحقوق الماليّة والاقتصاديّة، ويدركون دور الأموال المهم في حياة الفرد والمجتمع، ويقبلون المسؤوليّة في الالتزام بهذا الدور ويعملون بما علموا.
ونجد في سيرة أولياء الدين أنّ الإمام الصادق عليه السلام عندما كان يريد التوصية بتقسيم الأموال إلى الجديرين بها يتحدّث عن ضرورة بقاء الإسلام والمسلمين ومصالح المجتمع الإسلامي ويقول:
«إن من بقاء المسلمين وبقاء الإسلام أن تصير الأموال عند من يعرف فيها الحقّ ويصنع المعروف وإنّ من فناء الإسلام وفناء المسلمين أن تصير الأموال في أيدي
[١]. تفسير العياشي، ج ٢، ص ١٣.
[٢]. هذه إشارة إلى ما ورد عن الإمام الرضا عليه السلام في البحوث السابقة: «أحسن الناس معاشاً من حسن معاش غيره في معاشه».
[٣]. سورة النساء، الآية ٥.