موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٠ - ٣ الصبر في التبليغ والدعوة إلى الحقايق الدينيّة و
ومن خلال التحقيق في مجموع الآيات والروايات الواردة في هذا المجال نستنتج أنّ العزلة والاعتزال عن الناس ربّما يكون مطلوباً ومحبذاً في الإسلام بالنسبة لأفراد خاصين وفي ظروف خاصّة يقول القرآن الكريم:
«فَأَعْرِضْ عَنْ مَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا» [١]
؛ و
«وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ
يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» [٢]
، والإعراض ورد في القرآن الكريم بخصوص المشركين [٣]، والمعاندين [٤].
وهكذا إذا احتمل شخص أنّ مشاركته في بعض الاجتماعات يترتب عليه تأثير سلبي، فليس فقط لا يستطيع التأثير على أجواء المجلس والأفراد فيه، بل ربّما يتأثر بهذه المجالس والمعاشرة أكثر، أو أنّ حال الزمان وهجوم المفاسد إلى درجة ليس فقط لا يستطيع إسداء النصيحة للآخرين، بل ربّما يتلوث هو أيضاً، ففي مثل هذه الموارد ليس فقط الإسلام بل العقل أيضاً يأمر مثل هذا الشخص المهزوز أن يبتعد عن مثل هذه المجالس ليحفظ له هويته الدينيّة والإنسانيّة.
ويبدو أنّ الأفكار المتعلقة بالعزلة واجتناب الاختلاط مع أفراد المجتمع هي من الأفكار المستوردة من قِبل الرهبان والصوفية من قِبل بعض المرتاضين الهنود وبواسطة الرهبان والصوفية والتي نفذت إلى فضاء الثقافة الإسلاميّة وتركت آثارها السلبية على مستوى الأخلاق والاقتصاد، وكرست في البعض طلب الفقر وترك الكسب، وإلّا فإنّ كلّ شخص يملك أدنى معرفة بتعاليم القرآن يعلم جيداً أنّ الإسلام لا يوافق على هذا العمل إلّافي بعض الموارد الاستثنائية.
وبديهي أنّ المستعمرين وعملاءهم ومن أجل تحقيق مطامعهم والوصول إلى أهدافهم يستفيدون كثيراً من الأفكار التي تدعو الناس إلى العزلة.
د) الصبر
ومن جملة المفاهيم التي تعرضت للتحريف مفهوم «الصبر»، ومن بين البحوث الأخلاقيّة التي كثر الحديث عنها في الآيات القرآنيّة وقلّما نجد مفهوماً تحدّث عنه القرآن الكريم بهذه الكثرة في أكثر من آية هو مفهوم الصبر.
وقد ورد في رواية أنّ منزل الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من البدن، وكما أنّ الرأس هو رئيس البدن وبدونه لا تتيسر الحياة للإنسان فالصبر أيضاً له هذا الدور بالنسبة لأجزاء الإيمان المختلفة [٥]، وعن أهميّة الصبر يكفي أنّ الثواب على كثير من الأعمال والصفات الحسنة والخيرة معين من قِبل الباري تعالى، ولكن بالنسبة لأجر الصابرين يقول:
«إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ» [٦].
ومع كلّ هذه الأهمية للصبر في دائرة التعاليم الإسلاميّة، ولكن للأسف فإنّ بعض الأفراد وبفهمهم الخاطيء تصوروا أنّه مرادف لتحمل الظلم والجور ونتيجة هذا المفهوم المنحرف عاش المسلمون على إمتداد تاريخهم حالات التحقير والذلة والاستهزاء من قِبل الآخرين.
ولكن الصبر والاستقامة في ا لإسلام له أنواع وأقسام ولا يندرج أي واحد منها في دائرة تحمل الظلم والانظلام والذلة والاستسلام للظالمين:
١. الصبر في مقابل الأهواء النفسانية
(الصبر على الشهوات) [٧]، يعني مقاومة الأهواء الشهوات المنفلتة التي تدعو الإنسان إلى إرتكاب الذنوب والسقوط في فخ الشهوات.
٢. الصبر في مقابل طاعة اللَّه؛ [٨]
ونعلم أنّ أداء الواجبات وترك المحرمات يقترن عادة بالصعوبات والمشكلات، بحيث إنّ الإنسان لو لم يملك الاستقامة في هذا السبيل فسوف يترك العمل بها، كما ورد في القرآن الكريم:
«فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ» [٩]
، وذهب البعض إلى أنّ استخدام مفردة الاصطبار بدل الصبر والتي تدلّ على المبالغة تحكي عن أهميّة الصبر على طاعة اللَّه تعالى [١٠].
٣. الصبر في التبليغ والدعوة إلى الحقايق الدينيّة و
[١]. سورة النجم، الآية ٢٩.
[٢]. سورة الأنعام، آيه ٦٨.
[٣]. سورة الأنعام، الآية ١٠٦.
[٤]. سورة الأعراف، الآية ١٩٩.
[٥]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٨٢.
[٦]. سورة الزمر، الآية ١٠.
[٧]. وقد أشارت الروايات إلى هذا المعنى ب «الصبر في مقابلالمعصية». (ر. ك: بحار الأنوار، ج ٧٩، ص ١٣٦؛ كنز العمال، ج ٣، ص ٢٧٣، ح ٦٥١٥).
[٨]. عُبّر عنه في الروايات بمعنى (انظر: المصدر السابق).
[٩]. سورة مريم، الآية ٦٥.
[١٠]. الصبر في القرآن (يوسف القرضاوي)، ص ٤٦.