موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٢ - ٤ الحياة البسيطة للقادة لمواساة الطبقة الضعيفة في المجتمع
أدائه واجبه واستقامته على أصول دينه، مثلًا في بداية الإسلام، عاش النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله والمسلمون التصدي للشرك ومواجهة الباطل وبموجب هذه المقاومة في مسير الحقّ والإصرار على التوحيد تمّت محاصرتهم اقتصادياً في شِعب أبي طالب من قبل المشركين، وكذلك بعد هجرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إلى المدينة فإنّ جماعة كبيرة من المسلمين اضطروا للهجرة من مكة إلى المدينة ولم يتمكنوا من نقل أموالهم وإمكاناتهم من مكة إلى المدينة، وطبعاً أدّى ذلك إلى ابتلائهم بالفقر الشديد، فما كان من النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله في مثل هذه الحالة إلى أنّه جعل يواسيهم ويؤكد لهم أنّ هذا الفقر مصدر افتخارهم وأنّه شعار الصالحين.
وكذلك في العصور اللاحقة، فإنّ جماعة كثيرة من أتباع أهل البيت عليهم السلام ابتلوا بهذا الفقر المفروض عليهم حسب المثل المعروف
«البلاء للولاء»
، وهذا الأمر استمر إلى عصرنا الحاضر في بعض نقاط المعمورة، وقد ورد في الحديث الشريف:
«من أحبّنا أهلالبيت فَلْيُعِدَّ للفقر جِلْباباً» [١]
وهذا يشير أيضاً إلى هذا المعنى في عصر ظلمات بني اميّة وبنيالعبّاس.
إنّ المسلم الذي يراعي مسائل الحرام والحلال بدقة، يبتلي في المجتمع المفعم بالفساد والحرام والانحطاط، بالفقر وقلّة المال، وهذا الفقر أيضاً من جملة أقسام الفقر المفروض، وطبعاً فهذا النوع من الفقر لا يعدّ عيباً فقط، بل مصدر افتخار للإنسان المؤمن، ولكن يجب عليه السعي لإزاحة غبار هذا الفقر عنه في أولّ فرصة.
٤. الحياة البسيطة للقادة لمواساة الطبقة الضعيفة في المجتمع
ومن أنواع الفقر الممدوح أنّ القادة في النظام الإسلامي ومن أجل مواساة الطبقة الفقيرة والمحرومة في المجتمع، يجب أن تكون لهم معيشة بسيطة ويقلّ استفادتهم من المواهب الطبيعيّة بسلوك حياة الزهد التقشف في واقع الحياة والمجتمع.
وقيل إنّ النّبي يوسف عليه السلام في سنوات القحط والجفاف كان يبيت جائعاً، فقيل له:
«أتجوع و أنت على خزائن مصر؟»
. فأجاب:
«أخاف أن أشبع فأنسى الجياع» [٢].
ويقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام أيضاً في عبارته المعروفة:
«إنّ اللَّه فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقرُه» [٣].
والغنى بهذا المعنى جيد ومقبول ومورد مدح الإسلام، والروايات التي وردت في ذم الفقر والثناء على المال والثروة، ناظرة إلى هذا المورد وخاصّة
[١]. بحار الأنوار، ج ٥٨، ص ١٣٥.
[٢]. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج ١١، ص ٢٣٧.
[٣]. نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٩.