موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٧ - ٢ إرتباط الأحكام مع العقائد والأخلاق
سيادة الأخلاق على النظام الاقتصادي الإسلامي
قبل الورود في أصل البحث لابدّ من ذكر عدّة مقدّمات ضروريّة:
١. تعريف الأخلاق
الأخلاق جمع «خُلق» و «خُلُق»، وكما يقول الراغب في المفردات، خَلق وخُلْق (أو خُلُق) كليهما يعودان إلى جذر واحد، وفي الواقع فإنّ «خَلْق» تعني الهيئة والشكل والصورة التي يراها الإنسان بعينه، والخُلق يعني القوى والسجايا الباطنيّة التي يراها الإنسان بعين قلبه. والقرآن الكريم يخاطب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله ويقول:
«وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» [١].
وعلى هذا الأساس يمكن القول: «إنّ الأخلاق مجموعة من الصفات الروحيّة والباطنيّة للإنسان» وعلى حدّ قول بعض العلماء أنّه أحياناً يطلق على بعض الأعمال والسلوكيات الصادرة من البواعث الباطنيّة للإنسان أخلاق أيضاً [٢].
ومرادنا من الأخلاق في هذا البحث مراعاة التوصيات الأخاقيّة الإلزاميّة وغير الإلزاميّة فيما يتصل بالمسائل الاقتصاديّة، بمعنى ما يشمل العناوين من قبيل الغش في المعاملات وكراهة الدخول في معاملة شخص آخر، وكذلك استحباب إقالة المستقيل وأمثال ذلك، وفي الحقيقة أنّ بعض هذه الأمور ترتبط بالأحكام الشرعيّة أيضاً.
٢. إرتباط الأحكام مع العقائد والأخلاق
إنّ القانون مهما كان متقناً ومحكماً، فما لم يقبل ويعتقد العاملون به بالمبدأ والمعاد ولا يجسدون القيم الأخلاقيّة في محتواهم الداخلي وأعماق وجودهم، فإنّ هذا القانون يتعرض للُافول والزوال.
إنّ مخالفة القانون تارة تصدر من قِبل الأفراد المقتدرين الذين يقفون وجهاً لوجه أمام القانون ويخالفون القانون بشكل علني، لأنّ المهم لدى هؤلاء هو حفظ منافعهم الشخصيّة، ومع الالتفات إلى قدرتهم فإنّهم لا يجدون مانعاً في طريقهم لمخالفة القانون، وأحياناً يصدر من قِبل الأشخاص الذين يجدون طريقاً للفرار من القانون أو الالتفاف على القانون
[١]. سورة القلم، الآية ٤.
[٢]. انظر: الأخلاق في القرآن، ج ١، ص ٢٤ للمؤلف.