موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٥ - موقع الدنيا والآخرة في الآيات والروايات الإسلاميّة
الاقتصاديّة، تستدعي التبعية السياسيّة والثقافيّة أيضاً وبالتالي نرى نفوذ الأفكار والآداب والتقاليد غير السليمة إلى المجتمعات الإسلاميّة، وللأسف أنّ علماء الإسلام لا يتحركون في سبيل نشر التعاليم والثقافة الإسلاميّة إلّاقليلًا، ولا يؤكدون عليها في مجالات التوعية الثقافيّة والدينيّة، في حين أنّها تعد من أوجب الواجبات في عصرنا الحاضر، والابتعاد عنها يعدّ من أعظم الخسائر التي تواجهها المجتمعات الإسلاميّة.
البحث الثالث: الذم الشديد للفقر في الثقافة الإسلاميّة
ورد الكلام في الروايات الإسلاميّة عن الفقر والغنى بتعبيرات مختلفة واقترنت بتفسيرات متفاوتة، بحيث إنّ الإنسان في الوهلة الاولى يعيش التردد في حقيقة رؤية الإسلام للفقر، فهل أنّ ظاهرة الفقر مقبولة ومحبذة وأنّ الإسلام يوافق عليها، أو أنّها مذمومة وغير مقبولة ومضرة بحال المجتمع؟
في بعض الروايات، التي سنستعرضها لاحقاً، نرى أنّها تقرر أنّ الفقر علامة الإيمان، وشعار الصالحين، ومن خصائص الأنبياء الإلهيين عليهم السلام، بل يعتبر فخراً لنبي الإسلام صلى الله عليه و آله؛ ولكن في البعض الآخر منها ورد بالذم الشديد للفقر والتعبير عنه بالشر، والموت الأكبر، والشيء الذي يجب الاستعاذة باللَّه منه وما إلى ذلك.
وإذا أردنا معرفة النظر النهائي للإسلام حول الفقر والغنى، فيجب قبل ذلك أن نعرف نظر الإسلام حول الدنيا والآخرة، لأنّ البحث في مجال هذين الأمرين (الفقر والغنى، الدنيا الآخرة) لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
موقع الدنيا والآخرة في الآيات والروايات الإسلاميّة:
بالنسبة للدنيا والتوجه لها أو الإعراض عنها وردت آيات وروايات مختلفة كما في مسألة الفقر، بداية نستعرض طائفتين من هذه النصوص الدينيّة التي يظهر منها التعارض الابتدائي:
الطائفة الاولى: الآيات والروايات التي تذم الدنيا وتقرر أنّها محل المصيبة والعذاب وأنّها لعب ولهو وأنّ الحياة فيها فانية وزائلة، وأنّ الاهتمام بها يستوجب الغفلة والإعراض عن الغرض الأعلى والأسمى (الآخرة) وإذا قرأ الشخص هذه الطائفة من الآيات والروايات فقط فإنّه سينحو باتّجاه مسلك الصوفية ويكون له تصور في ذهنه عن الدنيا كما في ذهنية المرتاضين الهنود والرهبان النصارى، هنا نلفت النظر إلى بعض النماذج من هذه الآيات والروايات.
١.
«وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَّصِيبٍ» [١].
٢.
«تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» [٢]
. إنّ فناء وزوال الدنيا يستفاد من كلمة «عَرَض» لأنّ هذه الكلمة في اللغة تطلق على الشيء غير الثابت [٣].
[١]. سورة الشورى، الآية ٢٠.
[٢]. سورة الأنفال، الآية ٦٧.
[٣]. انظر: شرح وتفسير مفردات القرآن على أساس التفسير الأمثل (شرح و تفسير لغات قرآن بر اساس تفسير نمونه) بالفارسيّة، ج ٣، ص ١٥٠.