موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٧ - النتيجة
عن الحسن الزيات: قال دخلت على أبي جعفر (الباقر) عليه السلام في بيت منجّد ثمّ عدت إليه من الغد وهو في بيت ليس فيه إلّاحصير وعليه قميص غليظ فقال:
«البيت الذي رأيته ليس بيتي إنّما هو بيت المرأة وكان أمس يومها» [١].
النتيجة:
يستفاد من مجموع الآيات والروايات الشريفة أنّ الإسلام يرى أنّ الاستفادة من المواهب الإلهيّة في المجالات المختلفة من الحياة ليس فقط لا يعدّ إسرافاً، بل ربّما يكون من الحقوق الأوليّة للبشر، وخاصّة فيما يتصل بالعائلة والاسرة ويستوجب التقصير في ذلك العذاب الإلهي.
وكذلك يستفاد من هذه الروايات أنّ الإسراف أمر نسبي ومن هذه الجهة يختلف حسب الظروف الاقتصاديّة، والزمان والمكان، والشأن والمكانة الاجتماعيّة ويتناسب مع سقف معيشة الأفراد وتوفر إمكانات المعيشة لهم.
فربّما تكون الاستفادة من موهبة إلهيّة في وضع خاص لفرد أو مجتمع من جملة الإسراف، ولكن في وضع آخر ولشخص آخر لا يعدّ كذلك.
ونقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام:
«ربّ فقير هو أسرف من الغنيّ، إنّ الغنيّ ينفق ممّا أوتى والفقير ينفق من غير ما أوتى» [٢].
وهذا الحديث وأمثاله يوحي بأنّ الإسلام يرى في الإسراف مفهوماً نسبياً يختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، يعني ربّما يكون شيء معين إسرافاً للفقير، ولكن هذا الشيء بالنسبة للغني أو بالنسبة لذلك الشخص نفسه في زمان ومكان آخر لا يعدّ من الإسراف، أو عندما يشتري رجل بضاعة معينة فإنّه ربّما يعتبر مسرفاً ولكن رجلًا آخر عندما يشتري نفس هذه البضاعة يكون مسرفاً أكثر.
وكما تقدّمت الإشارة إليه أنّ الإمام الصادق والإمام الباقر عليهما السلام كانوا يرتدون ملابس أفضل ممّا كان في عصر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وأميرالمؤمنين عليه السلام، وعندما يعترض عليهما البعض يشيران إلى اختلاف الزمان.
وهنا قد يثار هذا السؤال المهم: ما هو المعيار لمعرفة الإسراف وعدم الإسراف؟ وكيف يتحقق مفهوم الإسراف في عمل معين وبأي مقدار من هذا العمل؟
ما نستوحيه من روايات هذا الباب أنّ الملاك في صدق الإسراف والتبذير يتبيّن في ثلاثة أمور وهي:
١. أن يتحرك المرىء في مجال صرف المال إلى درجة الإتلاف وإهدار المال، من قبيل طرح الماء الزائد في الإناء أو الإكثار من استعمال الماء عند الوضوء، والذي ورد التعبير في الروايات ب «الإسراف».
ونقرأ في حديث عن الإمام الرضا عليه السلام:
«إنّما الإسراف فيما أتلف المال ...» [٣].
٢. أن يكون الاستهلاك أكثر من حاجة الفرد، مثلًا
[١]. الكافي، ج ٦، ص ٤٧٧، ح ٥.
[٢]. الكافي، ج ٤، ص ٥٥، ح ٤.
[٣]. من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ٧١، ح ١٦٥.