موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٧ - ه) التسول من الذنوب الكبيرة
الأنبياء والأولياء في العمل والكسب، فلماذا نرى الكثير من علماء الإسلام والفضلاء والاساتذة والطلّاب في الحوزات العلميّة يعتاشون على بيت المال وهذه الحالة لا تقتصر على الحوزات الشيعيّة، فالحوزات السنيّة أيضاً تسلك هذا المسلك؟ الجواب على هذا السؤال واضح، فالأنبياء والأولياء لم تكن لهم حاجة لاكتساب العلم والمعرفة والدراسة، في حين أنّ رجل الدين في هذا العصر يجب أن يتحرك على مستوى تحصيل العلوم الدينيّة لثلاثين سنة وبشكل متواصل ليصل إلى مقام الاجتهاد.
ولاسيما أنّ العلوم الإسلاميّة في عصرنا الحاضر اتسعت بشكل كبير إلى درجة أنّ الاحاطة بجميع فروع المعرفة الدينيّة للعالِم الديني غير ممكن حالياً، بل يضطر رجل الدين إلى اختيار فرع أو فروع من هذه العلوم ليكون متخصصاً وصاحب رأي فيها، فالحوزات العلميّة حالها حال الجامعات، فهل يمكن أن نطرح هذا السؤال على طلّاب وأساتذة الجامعات بأنّهم لماذا لا يتحركون في مستوى الكسب والعمل وطلب الرزق؟
وعلى ضوء ذلك فإنّ السؤال المذكور ناشيء من رؤية سطحيّة وعدم الاطلاع على حال رجال الدين واساتذة الحوزات العلميّة.
د) خير الناس من لا يضع كَلّه على الناس
ومعلوم أنّ الشخص الذي يترك العمل والكسب ولا يهتم لتأمين معيشته فإنّه ينتفع من جهود الآخرين وأتعابهم، ونعلم أنّ مثل هذا الشخص الذي يضع كَلّه على الناس مذموم في تعاليم الدين.
يقول النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«خَيركم مَنْ لم يترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته ولم يكن كَلًاّ علَى النّاس» [١].
وجاء في حديث آخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«ملعون مَنْ ألقى كَلَّهُ علَى النّاس» [٢].
وطبيعي أنّ الزاهد المسلم ومن أجل أن لا يكون كَلّاً على الآخرين ولا محتاجاً لهم أو يرتزق من أتعابهم، فإنّه يتوجه نحو العمل والكسب ويبتعد عن الكسل وطلب الراحة.
ه) التسول من الذنوب الكبيرة
ويعتبر التسول وسؤال الناس في دائرة الثقافة الإسلاميّة (سوى في موارد ضروريّة جدّاً) مذموم بشدّة وفي مقابل ذلك ورد تجليل ومدح المؤمنين الذين يعيشون العفاف وعدم السؤال لحفظ كرامتهم وماء وجههم مع شدّة حاجتهم للمال، ولا يكشفون عن فقرهم:
«يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» [٣].
يقول الإمام علي عليه السلام في ذم طلب من الناس:
«اتَّبِعوا قَول رسول اللَّه، فانَّه قال: مَن فتح عَلى نَفْسه بابَ مسْألةٍ فتح اللّهُ عليه بابَ فقرٍ» [٤]
، بل جاء في
[١]. كنز العمال، ج ٣، ص ٢٣٨، ح ٦٣٣٦.
[٢]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ١٨، ح ١٠.
[٣]. سورة البقرة، الآية ٢٧٣.
[٤]. بحار الأنوار، ج ٩٣، ص ١٥٢، ح ١٤. وجاءت هذه الرواية عنرسول اللَّه صلى الله عليه و آله بهذا الصورة أيضاً: «لا يَفْتح الإنسان على نفسه باب مسألة إلّافتح اللَّه عليه باب فقر» (مسند أحمد، ج ٢، ص ٤١٨).