موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٦ - ٣ التعادل النسبي
المجتمع؟
لا شك أنّ أحد الميادين المهمّة في إقامة العدل والقسط تتمثّل في السوق، لأنّ السوق بحدّ ذاته إذا لم تتحقق فيه العدالة، فإنّ تداعيات هذه الظاهرة السيئة تتجسد في حالات الإجحاف، عدم الانصاف، سحق حقوق المنتجين، الإحتكار، الاستغلال وظاهرة الوسائط المتعددة في التجارة وما إلى ذلك، وسيكون السوق بذاته لا يملك أي طريقة لمواجهة هذه الظواهر المنحرفة والسيئة، ومن هذه الجهة فإنّ تواجد الحكومة الدينيّة لتحقيق القسط والعدل ومنع الإجحاف والظلم في ساحات السوق والاقتصاد، يعدّ أمراً ضرورياً وحيوياً.
ومن هذه الجهة ولغرض إجراء العدالة منعت الشريعة الإسلاميّة تسعير البضائع بأقل من حقها وقيمتها (وهذا المعنى يندرج في دائرة المعنى الواسع لكلمة بخس)، الوارد في الآية الشريفة عن قول نبي اللَّه شعيب عليه السلام:
«أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» [١].
ومن الجلي أنّ هذه الآية الشريفة ليست ناظرة للأفراد فقط، بل ناظرة لعلاقات الحكومة مع أفراد المجتمع أيضاً، وخاصّة أنّ المعيار لبيان قيمة الأموال والثروة في العصر الحاضر ليست المعايير التقليديّة المتداولة، بل في الغالب إنّ نشاطات المؤسسات الحكوميّة يؤدّي غالباً إلى انخفاض أو ارتفاع سعر البضاعة أو يؤثر في استقرار وعدم استقرار الأسعار، كما ورد في القرآن الكريم التأكيد على التسعير الحقيقي والصحيح للبضائع، وعلى ضوء ذلك فإنّ الحكومات أيضاً من المخاطبين الأصليين لهذه الآية وخاصّة أنّه من الممكن عدم وجود دوافع حقيقيّة لتجسيد العدالة في السوق بالنسبة لهذه الأمور، لأنّ السوق يتحرك على أساس التجارة الفرديّة وافق رؤية الفرد محدودة، فربّما لا يتوفر للفرد معلومات واطلاعات كافية لحاجات المجتمع الكليّة، أو لا يجد الفرد في نفسه علاقة خاصّة بمنافع المجتمع والمصالح العامّة، ومن هنا فإنّ الحكومة في الواقع مسؤولة عن إجراء هذا الأصل.
وبالرغم من أنّ الأخيار والصالحين من الناس يبادرون لتحقيق هذه الأمور في واقع السوق، ولكن لا يمكن حلّ هذه الأمور دائماً بواسطة هؤلاء الأشخاص، ومن البين أنّ إشراف الحكومة لا يتقاطع مع التجارة الحرة وعمليّة الخصخصة.
ونقرأ في حديث عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«ما من أمير يلي أمر المسلمين ثمّ لا يجهد لهم وينصح إلّالم يدخل معهم الجنّة» [٢].
٣. التعادل النسبي
إنّ أفراد المجتمع بصورة طبيعيّة أو اختياريّة يختلفون بلحاظ الذكاء، الاستعداد، القدرة الروحية والبدنيّة و ... فيما بينهم، وهذا الاختلاف يعني إذا
[١]. سورة هود، الآية ٨٥.
[٢]. صحيح مسلم، ج ١، ص ٨٨؛ سنن الكبرى للبيهقي، ج ٩، ص ٤١.