موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٩ - ٣ الأمن في النشاطات الاقتصاديّة
٣. الأمن في النشاطات الاقتصاديّة
ومن جملة الأهداف التي تترتب على الاقتصاد الإسلامي، تحقيق الأمن الاقتصادي، بمعنى أنّ الناشط الاقتصادي لا يشعر بأي تهديد ولا يتعرض لأيضغط في حركته الاقتصاديّة، من قبيل الاشتغال، التجارة، استثمار رؤوس الأموال: فإنّه يدخل في هذه المجالات بدون إحساس بالقلق والاضطراب والتردد.
وهذا الهدف ربّما لا يمكن تحقيقه في الاقتصاد الرأسمالي (/ الإمبريالي) فلا يضمن مثل هذا الاقتصاد حالات الطمأنينة لدى الناشط الاقتصادي، لأنّه على حد تعبير أحد علماء الاقتصاد المعروفين (الدكتور بيرجانه) فإنّ مثل هذا النظام يبتني «على أساس قانون تنازع البقاء» وبالتالي يعيش الضعفاء تحت وطئة قوى الهيمنة والظلم، وكما يقول عالم اقتصاد آخر (هوبز) فإنّ هذا النظام «لا يهتم إلّا بالمنافع الشخصيّة للأفراد ولا يملك دوافعاً أخرى لسلوكيات الإنسان، وحتى لو أدرك الإنسان أنّ أفضل طريق لتأمين وضمان منافعه الشخصيّة يكون من خلال التعاون مع أبناء نوعه، فمع ذلك لا ينفعه شيئاً، لأنّ عقل الإنسان يتحرك في التحليل النهائي في خدمة شهوات الإنسان ولا وظيفة له إلّاإيجاد الوسائل والآليات لإرضاء شهواته ونوازعه النفسانيّة» [١].
ومثل هذا النظام يتحرك بعيداً عن مفاهيم من قبيل التعاون والإخوة والمواساة، ولا يستطيع في أي زمان الخلاص من أنواع التهديد والضغوط ومواجهة النشطاء والشركات الاقتصاديّة القوية، وبالتالي تفقد الأمن الاقتصادي، ولكن الاقتصادي الإسلامي، الذي لا تمثّل فيه المنافع الشخصيّة الدافع الوحيد للنشاطات الاقتصاديّة، بل يأخذ بنظر الاعتبار المنافع العامّة والمنافع الشخصيّة المعنويّة، فإنّ تحقيق هذا الهدف والوصول إلى هذه الغاية «الأمن الاقتصادي» غير بعيد، وخاصّة عندما نقرأ في التعاليم الدينيّة وجود مفاهيم وتعاليم تؤكد ضرورة تحقق الأمن الاقتصادي، من قبيل إطلاق كلمة «الأمن» ومشتقاتها في الروايات الشريفة مثل:
«لا نعمة أهنأ من الأمن» [٢]
و
«شرّ
الأوطان ما لم يأمن فيه القُطّان» [٣]
و
«شرّ البلاد بلد لا
أمن فيه ولا خِصب» [٤].
ولو تجاوزنا هذه الروايات [٥] ونظرنا إلى الأحكام الواردة في الشريعة الإسلاميّة، التي تقرر أنّ الحكمة والمصلحة الوحيدة أو أحد أهم المصالح والغايات في هذه الأحكام، هو توفير الأمن الاقتصادي ونشطاء الاقتصاديين.
ومن جملة هذه الأحكام النهي عن التسعير، لأنّه
[١]. انظر: تحليل لمعارف ومنهجية علم الاقتصاد (تحليلى بر ساير شناخت و روششناسى علم اقتصاد) بالفارسيّة، السيد مهدي زريباف، ص ٣٩١ (اطروحة جامعية للتخرج) كلية الاقتصاد والمعارف الإسلامية، جامعة الإمام الصادق عليه السلام، طهران، ١٣٦٩ هش.
[٢]. غرر الحكم، ح ١٠٢٥٤.
[٣]. المصدر السابق، ح ١٠٢٥٦.
[٤]. المصدر السابق، ح ١٠٢٥٥.
[٥]. وبهذه الصورة مع الالتفات إلى سائر استعمالات كلمة «أمن» فيالقرآن والروايات يمكن أن يقال: إنّ هذه المفردة مع مشتقاتها تتصل بالأمن النفسي والعرضي ولا تشمل الأمن الاقتصادي.