موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٧ - أ) الرقابة والهداية
فرضنا التعامل منذ البداية في مسألة توزيع الثروات بمعيار المساواة بالنسبة لجميع الأفراد، فسوف نرى بعد مدّة ظهور تفاوت واختلاف كبير وغير معقول في ميزان الأرباح والعائدات الماليّة للأفراد، وبالتالي يؤدّي إلى تعميق الهوة الطبقيّة بين شرائح المجتمع، وهنا مع الالتفات إلى عدالة النظام الاجتماعي بشكل عام، فإنّ الحكومة الإسلاميّة مكلّفة من خلال الاستفادة من بعض المعادلات الاقتصاديّة، منع تراكم وإكتناز الثروات بيد أفراد معدودين، وذلك من خلال وضع ضرائب معينة على هذه الثروات، وتعيين قيمة بعض البضائع، وتعيين حقوق العمّال ورواتبهم في افق مناسب لشأنهم، ومع اقتراح وضع قوانين محسوبة بعمليّة خاصّة لمنع تراكم الأموال الكثيرة بيد أشخاص معدودين، لأنّ مثل هذا التراكم للأموال والثروات ليس فقط يتسبب في مشاكل اقتصاديّة، بل يفضي إلى مشاكل وأزمات سياسية خطيرة دائماً.
يقول الإمام الخميني قدس سره في هذا المجال:
«للإمام عليه السلام ووالي المسلمين أن يعمل ما هو صلاح للمسلمين من تثبيت سعر أو صنعة أو حصر تجارة أو غيرها ممّا هو دخيل في نظام وصلاح للمجتمع» [١].
البحث الرابع: ميادين حضور الحكومة في الاقتصاد
إنّ الإسلام، مع تأكيده على تبيين الأصول والمقررات الاقتصاديّة في قوالب أبواب فقهيّة وحقوقيّة مختلفة، وفي مقابل رؤية شموليّة خاصّة تحرك على مستوى بيان الدعائم الأخلاقيّة والفضائل الإنسانيّة في الأمور الاقتصاديّة والاهتمام بطبقة الفقراء والمحرومين، وفي ذات الوقت لم يفوّض إجراء هذه الأمور إلى الباعث الوجداني والباطني للناس، بل اعتبر أنّ الحاكم الإسلامي يمثّل قوّة خارجيّة ودعامة أساسيّة لإجراء القوانين في المجتمع.
وبديهي أنّ مجرّد بيان المقررات والقوانين لا يمكنه توفير منافع المجتمع بشكل عام ولا يمنع من تعرض المجتمع للإرباك والهرج والمرج، بل إنّ إجراء القانون أيضاً حاله حال إقرار أصل القانون يحظى بأهميّة بالغة.
ومن هذه الجهة فإنّ الإسلام ومن أجل الوصول إلى الأهداف الإلهيّة والأخلاقيّة وضع للحكومة الإسلاميّة اختيارات خاصّة كيما تتمكن في إطارها من التدخل في السوق والاقتصاد، وهذه الأمور عبارة عن:
أ) الرقابة والهداية
لو ألقينا نظرة عابرة على الأحكام الحقوقيّة في الإسلام فيما يتصل بمواجهة المتخلفين عن القانون في مجال الاقتصاد وضرورة التصدي للعناصر المخربة في مجال معيشة الناس، وكذلك مطالعة سيرة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله في حكومته، لرأينا أنّ الإسلام وضع حق الإشراف وضبط السوق والمعاملات التجاريّة والنشاطات الاقتصاديّة بعهدة الحاكم الإسلامي.
[١]. تحرير الوسيلة، ج ٢، ص ٦٢٦.