موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٠ - البحث الثاني الإكتناز (خروج الثروة من عجلة الإنتاج)
مستضعفة وفقيرة، وأخرى غنيّة ومتمولة، وترتب على هذه الفاصلة الطبقيّة أنّ المجتمع خرج عن حدّ الاعتدال وواجه مشاكل كثيرة في حياة الفرد والمجتمع، وبالتالي ابتلى بظهور انفجارات وثروات اجتماعيّة أربكت المجتمع البشري وجعلته يعيش مآزق وأزمات حادة.
والشعار الإسلامي المعروف المقتبس من هذه الآية:
«كَيْ لَايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ» [١]
، كأنّه يشير إلى أنّه لا ينبغي أن تكون الأموال والثروات في المجتمع منحصرة بيد الأثرياء من الناس يتناولونها من يد لأخرى ويعيش باقي الناس الحرمان والمعاناة وشظف العيش.
ويقرر القرآن الكريم في مكان آخر مع بيان ضرورة الإنفاق (والإحتراز من البخل وتجميع المال) الحكمة من ذلك، وهي أنّه في غير هذه الصورة فإنّ المجتمع البشري سيتعرض لاضطرابات اجتماعيّة شديدة تقوده إلى هوة الانفجار والثورة:
«هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَّنْ يَبْخَلْ
...
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ» [٢].
والتعبير بجملة:
«يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ»
إشارة إلى بروز اضطرابات ومماحكات اجتماعيّة خطيرة وسقوط أقوام وإنهيار حضارات بسبب هذه الظاهرة، وكأنّ تجميع المال وتكديس الثروة بيد فئة خاصّة يتسبب في ظهور الثروات الاجتماعيّة وحركة الطبقة الضعيفة ضد الطبقة المستكبرة الثريّة وفي نهاية المطاف يتمّ القضاء على قوى الهيمنة والثروة وإزالتهم عن فضاء المجتمع وتحلّ بذلك طبقة أخرى وقوماً آخرين محلّهم.
ج) تأمين حاجات المحرومين
في نظر الإسلام لا يوجد فقير يبتلي بالفقر والعوز إلّا إلى جانبه ثري يقوم بتجميع المال والثروة لنفسه، ويمتنع من أداء حقوقه الاجتماعيّة للآخرين.
ونقرأ في حديث عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله قوله:
«إنّ اللَّه فرض للفقراء في مال الأغنياء قدر ما يسعهم فإن منعوهم حتّى يجوعوا أو يعروا أو يجهدوا حاسبهم اللَّه حساباً شديداً وعذّبهم عذاباً نكراً» [٣].
والجملة المعبّرة والجميلة أخرى ما ورد في هذا المجال عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام حيث قال:
«ما رأيت نعمة موفورة إلّاوإلى جانبها حقّ مضيّع» [٤].
البحث الثاني: الإكتناز (خروج الثروة من عجلة الإنتاج)
كما رأينا سابقاً أنّ «الإكتناز» يعتبر أحد المصاديق ل «تجميع المال» وهو عبارة عن الأموال
[١]. سورة الحشر، الآية ٧.
[٢]. سورة محمّد، الآية ٣٨.
[٣]. كنز العمال، ج ٦، ص ٣١٠، ح ١٥٨٢٣. وورد شبيه هذا المعنى في رواية معروفة في منابع الشيعة عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام أشرنا إليها فيما سبق: «إنّ اللَّه سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير إلّابما متّع به غنيّ واللَّه تعالى سائلهم عن ذلك». (نهج البلاغة، الحكمة ٣٢٨).
[٤]. روائع نهج البلاغة، جرج جرداق، ص ٨٣.