موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٢ - البحث الثاني الإكتناز (خروج الثروة من عجلة الإنتاج)
لِانفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ» [١].
وفي مجال بيان أبعاد هذه الآية ورد في الحديث الشريف: عندما نزلت هذه الآية قال النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله ثلاثاً:
«تبّاً للذّهب تبّاً للفضّة»
، ثقل ذلك على الأصحاب فسأله أحدهم:
«أىّ المال نتّخذُ؟
فقال صلى الله عليه و آله:
«لِساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، و زوجةً مؤمنةً تُعين أحدَكم على دينه» [٢].
ويبدو في الوهلة الاولى أنّ جواب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله لا يرتبط بالسؤال المذكور لأنّ السؤال عبارة «أىّ المال نتّخذ؟» وفقال النّبي صلى الله عليه و آله في جوابه بلزوم أن يكون للإنسان لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة مؤمنة.
ولكن يمكن تفسير هذا الحديث ببيانين: الأوّل:
أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله وضمن تصحيحه للسؤال المذكور أراد أن يلفت النظر إلى هذه النقطة، وهي أنّ الذهب والفضة لا يعتبران كنزاً واقعياً ليكون لهما أهميّة وقيمة للادّخار، بل إنّ الكنز الواقعي عبارة اللسان الذاكر والقلب الشاكر والزوجة الصالحة.
والتفسير الآخر: إنّ النّبي صلى الله عليه و آله أراد إلفات النظر إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الإنسان لا ينبغي أن يعتبر للذهب والفضة قيمة ذاتيّة بحيث يخزنها ويحفظها وبالتالي تكون لها موضوعيّة مستقلة، بل يجب على الإنسان المؤمن أن يصرفها في مخارجه وينتفع بها في مسيرة حياته بدلًا من تجميدها وجعلها راكدة، فينبغي أن يكون أمله باللَّه تعالى ويشكر اللَّه على نعمه وما إلى ذلك.
ومفهوم هذا الكلام هو أنّ إكتناز الذهب والفضة مضافاً إلى كونه انحرافاً في مسار رأس المال وإخراج المال عن مساره الطبيعي في عمليّة الإنتاج والاستهلاك، فإنّه يمثّل نوعاً من سوء الظن باللَّه وكفران لنعم اللَّه تعالى عليه، لأنّ الذهب والفضة وإن لم يكن لهما قيمة ذاتيّة ولكنّهما في الحقيقة من قبيل الأموال لكونها وسيلة لتقييم البضاعة والمنتوجات في المبادلات الاقتصاديّة بواسطة الذهب والفضة يمكن فهم قيمة المعاملات الماليّة والتجاريّة.
وعلى هذا الأساس فلو أنّ شخصاً قام بادّخار وإكتناز هذين المعدنين وخزنهما في زاوية من البيت فإنّه لم يشكر اللَّه على هذه النعمة.
وفي كلام آخر يشير القرآن إلى العذاب الشديد والمخيف لمن يكتنز الأموال ويجمعها يقول:
«كَلَّا إِنَّهَا لَظَى* نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى* تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى* وَجَمَعَ فَأَوْعَى» [٣].
ونرى في هذه الآيات الشريفة أنّ القرآن يهدد بشدّة الشخص الذي يتحرك على مستوى جمع الأموال وإدّخارها، لأنّ أكثر المفسرين فسّروا هذه
[١]. سورة التوبة، الآية ٣٤ و ٣٥.
[٢]. المعجم الاوسط، ج ٢، ص ٣٧٦؛ مستدرك الوسائل، ج ١٢، ص ١٧١.
وورد في بعض منابع أهل السنّة حديث آخر بهذا المضمون: «لمّا نزلت: «والذين يكنزون الذهب والفضة ...» قال أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: نزل اليوم في الكنز ما نزل! فقال أبوبكر: يا رسول اللَّه ماذا نكنز اليوم؟ قال: لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة صالحة تعين أحدكم على إيمانه». (درّالمنثور، ذيل الآية ٣٤ من سورة التوبة).
[٣]. سورة المعارج، الآية ١٥-/ ١٨.