موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٨ - ١ الحياة الطيّبة
«النمو» يؤكدون أكثر على الروائز الاقتصاديّة وقليلًا على الدخل السنوي أو الإنتاج الذي يصل بشكل تدريجي وعلى مدّة طويلة في ازدياد مطّرد وبشكل تدريجي، ولكن في مقابل ذلك يقولون بأنّ «التنمية» تشمل التحوّلات والمتغيرات الفكريّة والاجتماعيّة في المجتمعات النامية.
وعلى ضوء ذلك فإنّ دائرة «التنمية» أوسع من دائرة «النمو»، وكذلك في كونها ذات أبعاد عدّة، فمضافاً إلى تحسين ميزان الإنتاج والدخل، فإنّها تشمل المتغيرات الأساسية في البنية الاجتماعيّة والإدارة أيضاً [١].
وكذلك من حيث الهدف فإنّ التنمية، مضافاً إلى زيادة الكمية في المنتجات والخدمات، تشمل المتغيرات الكيفية في السياقات الاجتماعيّة في المجتمع والتوزيع العادل للثروات والعائدات، مكافحة الفقر، إيجاد فرص العمل، رفع الحرمان وتأمين الرفاه العام والرقي الثقافي [٢].
وبعبارة أخرى: «إنّ التنمية الاقتصاديّة تملك مفهوماً واسعاً وشاملًا لأبعاد أكثر، فمضافاً إلى النمو الكمي فإنّها تشمل كيفية التغيرات الفنيّة والتنظيمة في كيفية الإنتاج وقسم المصادر البشريّة والماديّة والتقليل من الفوارق الطبقية والفقر، وعلى هذا الأساس فإنّ التنمية الاقتصاديّة، مضافاً إلى زيادة الإنتاج، تتضمّن توفر شروط مساعدة في البنية الاجتماعيّة والاقتصاديّة للمجتمع حيث تضمن استمرار النمو الاقتصادي» [٣].
وعلى ضوء ذلك فما يراد بحثه في هذه المقالة في مجال التنمية الاقتصاديّة هو العمران والإحياء، ووفرة الإمكانات، الارتقاء بالمستوى المعيشي للناس، التطور العلمي، سعة دائرة الأمن والعدالة بالاقتران مع المعنويّة، وفي هذا المجال ينبغي الالتفات إلى نقطتين:
١. الحياة الطيّبة
في دائرة الثقافة الإسلاميّة فإنّ المجتمع المتقدم يطلق على المجتمع الذي يملك، مضافاً إلى المعايير الاقتصاديّة، الحالات المعنويّة والأخلاق والإيمان، والمجتمع الذي يملك هذه الأمور يعيش «الحياة الطيّبة».
يقول القرآن الكريم:
«مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [٤].
وقد وردت تفاسير متعددة لعبارة «الحياة الطيّبة» في هذه الآية الشريفة، ولكن لابدّ من الالتفات إلى نقطتين:
١. إنّ الحياة الطيّبة بأي معنى كانت، تتعلق بهذه الحياة الدنيويّة، «لأنّ الثواب الإلهي بشكل أفضل وقع بعدها ... والحياة الطيبة بالحياة الدنيا والجزاء الأحسن متعلق بالآخرة» [٥].
٢. للوصول إلى مرتبة «الحياة الطيّبة» يجب توفر شرط الإيمان والعمل الصالح، وطبعاً فإنّ المجتمع الذي يتحرك فقط في طريق النمو والرشد الاقتصادي ولا يهتم بالإيمان والمعنويّة فإنّ مثل هذا المجتمع يفقد «الحياة الطيّبة».
وقد ذكر صاحب التفسير الأمثل بعد نقله لأقوال المفسرين [٦] عن «الحياة الطيّبة»:
[١]. مقدمة على عمل اجتماع التنمية الريفية (مقدمهاى بر جامعهشناسى توسعه روستايى) بالفارسيّة، ص ١٨.
[٢]. مجله تازههاى اقتصاد، خرداد و تير ١٣٦٩، ص ٣٠. همچنين ر. ك: بن بست توسعه در جهان سوم، ص ١٩.
[٣]. القيم والتنمية (ارزشها وتوسعه) بالفارسيّة، ص ٣٤.
[٤]. سورة النحل، الآية ٩٧.
[٥]. التفسير الأمثل، ج ٧، ذيل الآية البحوثة؛ سيد قطب يعتبر تعلق «الحياة الطيّبة» بالدنيا (في ظلال القرآن، ج ٤، ص ٢١٩٣).
[٦]. لقد ذكر المفسّرون في معنى الحياة الطيّبة تفاسير عديدة: فبعض فسّرها ب: الرّزق الحلال. وبعض ب: القناعة والرضا بالنصيب. وبعض ب: الرزق اليومي. وبعض ب: العبادة مع الرزق الحلال. وبعض ب: التوفيق لطاعة أوامر اللَّه ... وما شابه ذلك (التفسير الأمثل، ج ٧، ذيل الآية المبحوثة).