موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٠ - ٢ أهميّة التنمية الاقتصاديّة في الإسلام
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» [١]
، وبديهي أنّ الدعوه للإعمار والإحياء تتضمن الدعوة للسعي لغرض التنمية والرشد الاقتصادي.
يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام أيضاً:
«فأهبطه بعد التّوبة ليَعمُر أرضه بنسله» [٢].
وكذلك عندما يتحدّث الإمام علي عليه السلام عن مرحلة الجاهلية وقبل بعثة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فمضافاً إلى ذكره للعقائد الباطلة والتي تمّ إصلاحها بتعاليم السماء والأحكام الدينيّة، يتحدّث عن حالات الفقر والعوز التي تمّ القضاء عليها من خلال تبعية الناس للإسلام ومدرسة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ويقول:
«إنّ اللَّه بعث محمّداً صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم نذيراً على العالمين، وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار، منيخون بين حجارة خُشْنٍ، وحيّات صُمّ، تشربون الكدر، وتأكلون الجَشِب» [٣].
ونقرأ في دعاء الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنّه قال:
«صلّ على محمّد وآل محمّد كما رحمت به العباد وأحييت به البلاد، ... وأضعفت به الأموال» [٤].
ويقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر في مجال التوصية للإعمار والتنمية:
«وليكن نظرك في عمارة الأرض، أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج»
. ثمّ يضيف:
«لأنّ ذلك لايُدرك إلّا بالعمارة» [٥].
ونقرأ في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه يطلب من اللَّه تعالى أن يملك من الإمكانات الاقتصاديّة بحيث يتمكن من تأمين ما يحتاجه في حياته:
«... معيشة أقوى بها جميع حاجاتي» [٦]
، وفي دعاء آخر للإمام الباقر عليه السلام أنّه يطلب من اللَّه تعالى الرفاه في المعيشة:
«أسالك اللّهم الرّفاهيّة في معيشتي ما أبقيتني» [٧]
، فإنّ هذه الأقوال تحكي جميعاً عن أهميّة التنمية والرفاه في الحياة. وطبعاً تشير إلى التنمية الشاملة التي تلاحظ فيها الدنيا والجوانب الآخرة والماديّة والمعنويّة.
وترسم الروايات الإسلاميّة صورة رائعة عن عصر ظهور الإمام المهدي عليه السلام وما يعيشه الناس من تنمية اقتصاديّة ورفاه تام بما يمثّل خصائص ذلك العصر يقول رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«يتنعّم امّتي في زمن المهدي عليه السلام نعمة لم يتنعّموا قبلها قطّ: يرسل السّماء عليهم مدراراً ولا تدع الأرض شيئاً من نباتها إلّا أخرجته» [٨].
وورد في مصادر أهل السنّة أيضاً فيما يتصل بالتنمية الاقتصاديّة التي يبشر بها الإسلام عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«لا تقوم السّاعة حتّى يُكثر فيكم المال، فيفيض حتّى يُهِمَّ ربّ المال من يقبل صدقته، وحتّى يعرضَه فيقول الّذي يعرضه عليه: لا أرَبَ لي» [٩].
وكما ورد في مصادر أهل السنّة الحديث عن حكومة الإمام المهدي عليه السلام بشكل واسع في الأحاديث الواردة في هذا الشأن حيث يتصل بعضها بالسعة والرفاه ووفور النعمة، ومن ذلك ما ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«تَنعَم امّتي فيها نعمة لم ينعموا مثلها، يرسل اللَّه السماء عليهم مدراراً، ولا تدّخر الأرض شيئاً من النّبات، والمال كُدس، يقوم الرّجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ» [١٠].
والإسلام، مضافاً إلى اهتمامه بالنمو الاقتصادي، فقد اهتم معه بالنمو المعنوي، لأنّه بدون التقوى والتدين، فإنّ الثروة والمال يتسببان في طغيان الإنسان:
«إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَّآهُ اسْتَغْنَى» [١١]
وبالنتيجة فإنّ الدنيا سوف تمتلىء من حالات
[١]. سورة هود، الآية ٦١.
[٢]. نهج البلاغة، الخطبة ٩١. ابن خلدون العالم الإسلامي المعروف (م ٨٠٨) في كتابه التاريخ أنّ الآية طرحت علم «عمران» وبحثها في المجلدات ١ و ٢ بشكل مفصل. وجاءت هذه البحوث مماثلًا أو متقارباً لما نجده اليوم في عالمنا المعاصر تحت عنوان «التنمية».
[٣]. نهج البلاغة، الخطبة ٢٦.
[٤]. بحار الأنوار، ج ٩١، ص ٧٣.
[٥]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٦]. بحار الأنوار، ج ٨٧، ص ٣.
[٧]. المصدر السابق، ج ٩٤، ص ٣٧٩.
[٨]. المصدر السابق، ج ٥١، ص ٨٣.
[٩]. صحيح البخاري، ج ٢، ص ١١٣.
[١٠]. مجمع الزوائد، ج ٧، ص ٣١٧؛ معجم الأوسط الطبراني، ج ٥، ص ٣١١ (مع اختلاف يسير).
[١١]. سورة العلق، الآية ٦.