موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - ٩ قداسة المال
والخلافة، تنصب في هذا الاتّجاه وتفسّر بهذه الرؤية.
٨. سعة المنابع الاقتصاديّة
بالرغم من أنّ المنابع الاقتصاديّة في الكرة الأرضيّة محدودة من جهة، فمقدار المياه، الأراضي، المعادن تحت الأرض، وحتى الاكسجين الموجود في الجو له حدّ معين وكما يقول القرآن الكريم:
«وَإِنْ مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ» [١]
، ولكن من المعلوم أنّ هذه المنابع أكثر بكثير ممّا اكتشف لحدّ الآن وتمّت الاستفادة منه، والكشوفات الجديدة والاستفادة من الوسائل الحديثة والدقيقة يساعدنا في استخراج هذه المواهب الطبيعيّة بشكل أفضل وأكثر واستخدامها في سبيل مكافحة الفقر.
والناشط الاقتصادي لا ينبغي أن يتصور أنّ الفقر والحرمان من اللوازم غير المنفكة عن محدودية المنابع الاقتصاديّة.
وطبعاً فهذا لا يعني أن نغفل عن حقّ الأجيال اللاحقة في هذه المواهب الطبيعيّة ونتحرك على مستوى استخدام أساليب توصف ب «الغارة على المنابع ونهبها» بعيداً عن الاستخدام الصحيح والاستفادة السليمة منها.
وهذا هو الشيء الذي يؤمن به الناشط الاقتصادي، وفي ذات الوقت الذي ينتفع من هذه المنابع فإنّه يراعي الاعتدال في الاستفادة منها بأساليب أفضل.
٩. قداسة المال
خلافاً لما يتصور بعض الجهلاء فإنّ الناشط الاقتصادي المسلم لا ينبغي أن ينظر بنظرة تشاؤمية للمال والثروة، بل يجب أن يعلم أنّ كون المال فتنة من قبيل كون الأولاد فتنة:
«وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ» [٢]
، وأنّها وسيلة للابتلاء والامتحان:
«لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ» [٣]
، وأنّها من الزينة في هذه الحياة:
«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ» [٤]
، وهذه كلّها لا تتنافى مع قدسية وقيمة المال، لأنّه كما أنّ الأموال والبنين في ذات كونهم زينة وفتنة (كما أشارت إليه الآيات المذكورة)، فإنّها تحسب من النعمة والرحمة الإلهيّة، كما ورد هذا المعنى في الروايات الإسلاميّة أيضاً، فإنّ الأموال في نظر القرآن تعتبر وسيلة لنمو ورشد المجتمع وتقوية شؤونه ودعائمه:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً» [٥]
وبسبب شرافة وقداسة المال ورد التعبير عنه ب «مال اللَّه»
«وَآتُوهُمْ مِّنْ مَّالِ اللَّهِ الَّذِى آتَاكُمْ» [٦]
، وبعنوان «الخير»
«مَا
أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ
...» [٧].
وفي نظر القرآن الكريم فإنّ من مصاديق الإمدادات الإلهيّة هو الإمداد بالمال:
«وَأَمْدَدْنَاكُمْ
[١]. سورة الحجر، الآية ٢١.
[٢]. سورة الأنفال، الآية ٢٨.
[٣]. سورة آل عمران، الآية ١٨٦.
[٤]. سورة آل عمران، الآية ١٤.
[٥]. سورة النساء، الآية ٥.
[٦]. سورة النور، الآية ٣٣.
[٧]. سورة البقرة، الآية ٢١٥.