موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥١ - الثالث العفو في مسألة القصاص
الطلاق
فقد ورد في الآية ٤٩ من سورة الأحزاب بعد بيان حكم الطلاق وعدم لزوم العدّة للمرأة المطلقة التي لم يدخل بها الزوج، يوصي القرآن الكريم ب «السراح الجميل» والمتعة «بمعنى إعطاء هدية مناسبة»:
«... وَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلًا».
وهذا يعني أنّه إذا تقرر أن تنفصل زوجاتكم عنكم، فينبغي عليكم أنّ تتركوهنّ بدون إثارة مشكلة، وعند وقوع الانفصال فلا ينبغي أن تعاملوهنّ من موقع الانتقام أو الإساءة لسمعتهنّ وأمثال ذلك.
وهذه النقطة ورد التأكيد عليها في الآية ٢ من سورة الطلاق، حيث توصي الآية أنّه «بعد انتهاء عدّة النساء في صورة الرغبة في العودة» فيجب عليكم أنّ تعيشوا معهنّ بشكل لائق أو تنفصلوا عنهنّ بشكل لائق أيضاً:
«فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ».
روى جابر عن أبي جعفر الإمام الباقر عليه السلام في قوله عزّ وجلّ:
«وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلًا»
قال:
«متعوهنّ أي أجملوهنّ بما قدرتم عليه من معروف، فإنّهنّ يرجعن بكآبة ووحشة وهمّ عظيم وشماتة من أعدائهنّ ...» [١].
الثاني: تعديل المهر
بعد بيان حكم الطلاق وقبل الدخول ولزوم دفع نصف المهر للزوجة يقول القرآن الكريم:
«إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» [٢].
ويستفاد من هذه الآية الشريفة أنّ دفع نصف المهر للزوجة يعتبر من حقّها، ولكن ما ذكر جملة:
«إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ»
، ونستوحي من الآية أنّها بصدد أن توصي المرأة بأن تعفو عن نصف المهر ولا تأخذه، أو إذا كانت الزوجة صغيرة أو سفيهة فلا يأخذ وليها نصف المهر، في صورة وجود مصلحة في ذلك، وفي النهاية توصي الآية بمراعاة الفضل والعفو بينهما، وهذه كلّها توصيات أخلاقيّة اقترنت مع بيان الحكم الشرعي والقانون الإلهي.
ومعلوم أنّ الرجل، إذا لم يواقع الزوجة، فإنّ نصف المهر لها يعتبر ثقيل عليه ولذلك فإنّ هذه التوصيّة الأخلاقيّة للمرأة «أن تعفو وتغض النظر عن أخذ نصف المهر إذا رغبت في ذلك» ورد إلى جانب الحكم الذي يقرر أنّ للمرأة الحقّ في أخذ نصف المهر.
الثالث. العفو في مسألة القصاص
يقول القرآن الكريم وبعد بيان القصاص في النفس والأعضاء:
«فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» [٣].
وكذلك ورد في مورد آخر بعد بيان حكم القصاص ولغرض تحريك العواطف لبذل العفو والصفح:
«فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ» [٤].
ونرى في هذه الآية الشريفة التوصية بالعفو عن القصاص وقبول الدية، وهذا يعني أنّ صاحب الدم
[١]. تفسير نورالثقلين، ج ٤، ص ٢٨٨، ح ١٦٣.
[٢]. سورة البقرة، الآية ٢٣٧.
[٣]. سورة المائدة، الآية ٤٥.
[٤]. سورة البقرة، الآية ١٧٨.