موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٧ - ٢ الرفاه العام
٢. الرفاه العام
إنّ تمتع عامة أفراد المجتمع برفاه نسبي يعتبر أحد أهم أهداف الاقتصاد الإسلامي، ويستفاد من آيات القرآن الكريم بكلّ وضوح أنّ اللَّه تعالى، مضافاً إلى رفع الحاجات الأوليّة والضرورية للبشر، دعا لرفاه عباده أيضاً فيما يتصل بالاستفادة من مواهب الطبيعة:
«خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا» [١].
وكذلك قال:
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» [٢].
ولا شك بأنّ مقتضى التحديد في الأكل والشرب برعاية عدم الإسراف في الآية الاولى، والتعبير «الزينة» في كلا الآيتين، وكذلك التعبير ب «الطيّبات من الرزق» في الآية الثانية، هو الرفاه النسبي وعدم إكتفاء بالضروريات الأوليّة.
وببيان آخر: أنّ المستفاد من الآيات القرآنية أنّ النظام الاقتصادي في الإسلام ليس فقط بصدد رفع الحاجات الضرورية للإنسان وإشباعها وارضائها ويرى أنّ عمله قد انتهى، بل يريد للبشر أن يتمتعوا أيضاً بالملذات الماديّة إلى حد عدم الإسراف والتبذير وبدفع الحقوق المتعلقة بأموالهم يستطيعون أن يتمتعوا بالنعم والمواهب الإلهيّة.
والملفت للنظر ما ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«بلى فليطعمه ممّا يأكل ويشرب ويكتسي ويتزوج ويتصدّق ويحج» [٣]
ونقرأ في رواية أخرى عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام:
«يقسّم بينهم في مواضعهم بقدر ما يستغنون به في سنّتهم بلا ضيق وتقتير ... وإن نقص من ذلك شيء ولم يكتفوا به كان على الوالى أن يمونهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا» [٤].
وبديهي أنّ حدّ «حدّ الاستغناء» يتضمّن أكثر من تهيئة الضروريات الأوليّة للحياة ويشمل الرفاه النسبي، وما يؤيّد هذه النقطة ما ورد في حكاية أبيبصير مع الإمام الصادق عليه السلام: أنّه قال للإمام: إنّ لنا صديقاً وله دار تسوى أربعة آلاف درهم، وله جرية وله غلام يستقي على الجمل كلّ يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل، وله عيال أله أن يأخذ من الزكاة؟ قال (الإمام عليه السلام):
«نعم»
، قال: وله هذه الفروض، فقال:
«يا أبامحمّد فتأمرني أن آمره ببيع داره وهي عزّه ومسقط رأسه أو ببيع خادمه الذي يقيه الحر والبرد ويصون وجهه ووجه عياله، أو آمره ببيع غلامه وجمله وهو معيشته وقوته؟ يأخذ الزكاة فهي له حلال، ولا يبيع داره ولا غلامه ولا جمله»، [٥].
وتدلّ الآيات الكريمة من سورة النحل بوضوح
[١]. سورة الأعراف، الآية ٣١.
[٢]. سورة الأعراف، الآية ٣٢.
[٣]. وسائل الشيعة، ج ٩، باب ٤١ من أبواب مستحقين زكاة، ح ٢.
[٤]. المصدر السابق، باب ٢٨، ح ٣.
[٥]. المصدر السابق، باب ٩، ح ٣.