موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٨ - أ) الرقابة والهداية
إنّ الرقابة على السوق في صدر الإسلام كانت متداولة ويسمى المشرفون على السوق ب «عامل السوق»، ومن وظائفهم المهمّة الرقابة والإشراف على الوزن والمكيال وجمع الضرائب التي تضعها الحكومة على مراكز الكسب وأهل الحرف والمهن المختلفة [١].
ومعلوم أنّ هذه عمليّة ليست مجرّد رقابة وإشراف فقط، بل رقابة مقترنة مع إعمال وإجراء القانون.
ونقرأ في رواية: أنّ النّبي صلى الله عليه و آله مرّ على جماعة من المحتكرين فأمر باخراج البضاعة المحتكرة وعرضها في السوق أمام الملأ:
«مرّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق وحيث تنظر الأبصار إليها» [٢].
والرقابة من قِبل النّبي صلى الله عليه و آله على الأمور الاقتصاديّة كانت إلى درجة من الدقّة أنّها أحياناً ومن أجل تحريك عجلة الاقتصاد في السوق بشكل صحيح وسليم، أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان يستخدم سلطته الحكوميّة.
ويورد المحدّث الشهير البخاري في صحيحه رواية عن سالم عن أبيه:
«لقد رأيت الناس في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يبتاعون جزافاً يعني الطعام، يُضربون أن يبيعوه في مكانهم حتّى يؤوه إلى رحالهم» [٣]
، يعني أنّهم يجبرون من قِبل الشرطة على بيعه لمن يشتريه.
وكذلك طبقاً لما ورد في التواريخ أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله بعد فتح مكة، أمر سعيد بن العاص أن يتولّى مسؤوليّة أمور سوق مكّة [٤].
وكذلك نقرأ في كتب المؤرخين مرّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله برجل يبيع طعاماً قد خلط جيد برديء. فقال له النّبي صلى الله عليه و آله:
«ما حملك على ما صنعته؟»
قال: أردت أن ينفق. فقال النّبي صلى الله عليه و آله
«ميِّز كلّ واحد منهما على حدة، ليس في ديننا غشّ» [٥].
ونقرأ في التاريخ أيضاً عندما كان أميرالمؤمنين علي عليه السلام بالكوفة يفتدي كلّ يوم بكرة من القصر فيطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً ...- ويعظ الناس- فينادي:
«يا معشر التجّار اتقوا اللَّه ...»
(فإذا اتفق أن شاهد مخالفة للقانون فإنّه يصدر الحكم فوراً ويعمل على تنفيذه في ذلك الموقع) [٦].
وقد أمر الإمام علي عليه السلام مالك الأشتر في عهده المعروف أن يمنع التجّار والكسبة من إحتكار الطعام:
«فامنع من الإحتكار فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله منع منه» [٧].
وكذلك أمر الإمام عليه السلام قاضيه على الأهواز «رفاعة» بأنّ يعاقب المحتكرين بأشد العقوبة ويأخذ منهم البضاعة المحتكرة ويعرضها على الناس:
«أنْهِ عن الحكرة، فمن ركب النهي فأوجعه ثمّ عاقبه بإظهار ما احتكر» [٨].
إنّ هذه الرقابة على السوق والاهتمام بحلّ مشاكل
[١]. انظر: السوق- الدولة (بازار- دولت) بالفارسيّة، ص ٧٠.
[٢]. الاستبصار، ج ٣، ص ١١٥، ح ٤٠٨.
[٣]. صحيح البخاري، ج ٣، ص ٢٣.
[٤]. الاستيعاب، ج ٢، ص ٦١٩، الرقم ٩٨٤.
[٥]. كنز العمال، ج ٤، ص ١٥٩، ح ٩٩٧٤.
[٦]. انظر: وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٢٨٣، باب ٢ من أبواب آداب التجارة؛ كنز العمال، ج ٥، ص ٨١٦.
[٧]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٨]. دعائم الإسلام، ج ٢، ص ٣٦.