موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨١ - البحث الثاني أدلة حرمة الإسراف والتبذير
إنّ التدقيق في استعمالات كلمة الإسراف وكلمة التبذير في الآيات والروايات الشريفة تشير إلى أنّ هاتين الكلمتين تشتركان في مساحة معينة ولا يوجد تفاوت مهم بينهما، وجاء في كلام للإمام الصادق عليه السلام:
أنّ التبذير نوع من الإسراف وقال:
«إنّ التبذير من الإسراف»
، ولكن يجب الالتفات إلى بعض النقاط في هذا المجال:
أ) ذهب بعض أهل الخبرة أنّ «التبذير» أخص من «الإسراف» وقالوا: إنّ التبذير يستعمل فقط في مورد بذل المال على مستوى الإسراف، أو أن ينفق المال بالمعاصي والذنوب، ولكن الإسراف يطلق على كلّ زيادة وتجاوز للحد، سواءً كان في باب الأموال أم في غيرها [١].
ب) وذهب البعض إلى أنّ الفرق بين «الإسراف» و «التبذير» من جهة أخرى، وقالوا: «الإسراف» أن يصرف الشيء في مورده الخاص به ولكنّه من حيث المصرف والاستهلاك يزيد عن حدوده ومقداره، ولكن «التبذير» هو مصرف الشيء في غير مورده اللازم [٢]، وهذا هو كلام الطريحي في مجمع البحرين في بيان الفرق بين هاتين الكلمتين قال:
«و قد فرّق بين التبذير والإسراف، في أنّ التبذير، الإنفاق فيما لا ينبغي والإسراف الصرف زيادة على ما ينبغي» [٣].
وهذا الأمر يتناسب مع ما ذكره العلّامة النراقي رحمه الله في عوائد الأيّام نقلًا عن ابن مسكويه في كتاب أدب الدنيا والدين قال:
«السَرَف هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير هو الجهل بمواقع الحقوق» [٤].
ج) أمّا الراغب الإصفهاني فقد تقدّم كلامه في مفرداته بأنّ:
«التبذير التفريق وأصله إلقاء البذر وطرحه فاستُعير لكلّ مضيِّع لماله، فتبذير البذر تضييع في الظاهر».
ومن مجموع ما تقدّم ذكره يتبيّن الفرق بين الإسراف والتبذير من جهتين:
١. إنّ الإسراف أعم من التبذير، لأنّ التبذير يرد في خصوص الأمور الماليّة، ولكن الإسراف يشمل دائرة الأموال وغير الأموال.
٢. الإسراف هو أن ينفق الشخص الأموال في الموارد العقلائيّة والمقبولة ولكنّه ينفق أكثر من المقدار اللازم، والتبذير أن ينفق الشخص أمواله في موارد غير عقلانيّة وغير مقبولة.
وببيان آخر: إنّ التبذير إضاعة الأموال ويقترن باهدار الثروة، ولكن الإسراف ليس إضاعة للمال بل إنّه ينفقه في محلّه إلّاأنّه ينفق أكثر من الحدّ اللازم وبما هو خارج عن شؤونه، مثلًا إذا ارتدى شخص ثوباً غالي الثمن بحيث تكون قيمته أضعاف ما يستحقه وما هو بحاجة إليه، أو يتناول طعاماً غالي الثمن بحيث يمكنه بذلك الثمن إشباع عدد كبير من الناس بكرامة، فمثل هذا الإنفاق يعدّ إسرافاً، لأنّه بالرغم من تجاوز الحدّ في الإنفاق ولكنّه لم يضيع شيئاً من ماله حسب الظاهر، ولكن إذا جاء ضيفان، وقمنا بتقديم طعام يكفي لعشرة أشخاص فتناول هذان الضيفان من الطعام وألقينا بالباقي في سلة القمامة، كما تقدّم بيانه فهذا هو التبذير، وينبغي الالتفات أيضاً إلى أنّ هاتين الكلمتين تستخدمان أحياناً في معنى واحد.
النتيجة:
مع الالتفات إلى ما ورد في الآيات والأحاديث الشريفة وسيرة وسنّة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأهل البيت عليهم السلام كما تقدّم الإشارة إلى جملة منها، فسوف نصل إلى هذه النتيجة وهي: أنّ طريق الاعتدال والوسطيّة الحكيمة هو مورد نظر الإسلام وتأييده، أمّا طرفا هذا الطريق يعني الإفراط والتفريط وهما «الإسراف» و «الإقتار» فإنّها مذمومة ومرفوضة من قِبل الشارع المقدّس.
البحث الثاني: أدلة حرمة الإسراف والتبذير
إنّ «الإسراف» حاله حال «التبذير»، يعتبر في حياة الناس وخاصّة المؤمنين عمل مضاد للقيم، ويعتبر في نظر الدين من المحرمات، وهذا العمل ورد النهي عنه دوماً في منطق الدين والعقل السليم، ومن
[١]. الموسوعة الفقهيّة (الكويتيّة)، ج ٤، ص ١٧٧.
[٢]. المصدر السابق.
[٣]. مجمع البحرين، «ب ذ ر».
[٤]. عوائد الأيّام، ص ٦٢١.