موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦١ - أ) تقوية الروح والإرادة
قُسِّمَتْ على بني هاشم لَوَسِعَتْهُم» [١].
وعلى هذا الأساس فإنّ الحياة الشخصيّة لزاهد كأميرالمؤمنين عليه السلام تبيّن أنّ الزاهد الإسلامي لا يغفل عن العمل والسعي والإعمار وإزدهار المجتمع، ويفكر دوماً بخدمة الآخرين ورفاه معيشتهم، وإن كان لا ينتفع شيئاً من مواهب الدنيا، إذن الزهد الإسلامي لا يتنافى مع العمل والسعي، والزاهد الإسلامي يهتم بالعمل والسعي والحياة وينتفع منها أيضاً، ولكنّه أحياناً ومن أجل التوصل إلى مراتب عالية من الكمال المعنوي أو لبعض الظروف الاجتماعيّة، فإنّه يسعى إلى التقليل من انتفاعه بالأمور الدنيويّة إلى الحدّ الأدنى.
البحث الثاني: الآثار المعنويّة والماديّة للزهد الإسلامي
أ) تقوية الروح والإرادة
إنّ الزهد ورياضة النفس تقويان في الإنسان روح الإرادة بحيث يعيش الصبر والاستقامة في مقابل المشاكل والتحديات الصعبة، ومن هذه الجهة فإنّ أولياء اللَّه يسعون للوصول إلى مراحل عالية من الزهد، الذي يسمى ب «الرياضة».
وقد ورد في أحد كتب أميرالمؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة، أنّه قال ما خلاصته:
«وَإِنَّما هِي نَفْسِي أَرُوْضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ ... فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفُهَا؛ أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغْلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا، تَلْهُو عَمَّا يُرادُ بِهَا، أَوْ أُتْرَكَ سُدًى وَأُهْمَلَ عَابِثَاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيْقَ الْمَتَاهَةِ!» [٢].
ومن هذه الجهة ورد في رواية أخرى أنّ هذا الإمام عليه السلام قدم له طبق من الحلوى اللذيذة قال:
«إنّ الحلال طيّب وما هو بحرام، ولكنّي أكره أن اعوّد نفسي ما لم اعوّها، ارفعوه عني فرفعوه» [٣].
وورد في رواية عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«ألزّهد في الدّنيا يُريح القلب والجسد» [٤].
إنّ الاستفادة بالحدّ الأقل من الدنيا يمنح الإنسان التحرر والنشاط وقوّة الإرادة وسمو الروح، بحيث يسيطر على ميوله النفسانيّة حتى بالنسبة إلى الحلال من الدنيا، فمثل هذا الإنسان يعيش الراحة وفراغ البال ويستطيع بيان ما يريده للناس بكلّ يُسر ولا يخاف من أشكال الحرمان التي ربّما تستتبع روحيته العالية وكلامه الحقّ، ومن هذه الجهة فإنّ الزعماء الناجحين في الدنيا يعيشون عادة نوعاً من الزهد وعدم التعلق القلبي بشيء من الماديات والأمور الدنيويّة، يقول العلّامة المطهري رحمه الله:
«أي زعيم ديني أو سياسي عاش التنعم والترف وصار مع ذلك منشأ لتحوّل في العالم؟ وأي زعيم
[١]. المصدر السابق، ص ٤٣.
[٢]. انظر: نهج البلاغة، الكتاب ٤٥.
[٣]. وسائل الشيعة، ج ١٦، ص ٥٠٨، ح ٤.
[٤]. مجمع الزوائد، ج ١٠، ص ٢٨٦.