موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٠ - الزاهد الكبير، العامل الذي لا يصيبه الإرهاق
بشكل معقول بعيداً عن كلّ أشكال الإسراف والتبذير والإفراط ويؤدّي شكر هذه النعم الإلهيّة بالمعنى الصحيح للكلمة.
الزاهد الكبير، العامل الذي لا يصيبه الإرهاق
عندما يدور الحديث عن الزهد في تاريخ الإسلام فمن البديهي أنّ المصداق البارز لحياة الزهد هو ما نراه في سيرة أميرالمؤمنين علي عليه السلام، يقول ابن أبي الحديد عن زهد الإمام علي عليه السلام: «وأمّا الزهد فِي الدّنيا فهو سيّد الزُّهاد» [١].
وينقل الخوارزمي عن عمر بن عبدالعزيز أنّه قال:
«ما علمنا أنّ أحداً كان في هذه الامّة بعد النبيّ أزهد من عليّ بن أبيطالب» [٢].
وكذلك نعلم أنّ هذا الإمام عليه السلام كان يأكل خبز الشعير وقلّما ينتفع بملذات الدنيا، وينقل ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة عن أحد أصحاب أميرالمؤمنين عليه السلام عبداللَّه بن أبي رافع: دخلت إليه يوم العيد، فقدّم جراباً مختوماً، وجدنا فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً، فقدّم فأكل، فقلت: ياأميرالمؤمنين فكيف تختمها قال:
«خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن وزيت» [٣].
ولكنّ الإمام علي عليه السلام مع كلّ زهده في حياته الشخصيّة لم يترك دعوته للعمل والسعي، وكذلك سيرته العمليّة في مجال النشاط الاقتصادي مليئة بالدروس والعبر، يقول أميرالمؤمنين عليه السلام:
«من وجد ماءً وتراباً ثمّ افتقر فأبعده اللَّه» [٤].
وكذلك يقول هذا الإمام عليه السلام في مطلع عهده لمالك الأشتر رحمه الله عندما يوصيه بإعمار البلاد وإحيائها:
«...
واستصلاح أهلها وعمارة بلادها» [٥].
يقول الإمام الصادق عليه السلام في مجال المساعي الاقتصاديّة لأميرالمؤمنين عليه السلام:
«قال له رجل- ورأى وسق نوى- ما هذا ياأباالحسن؟ قال: مائة ألف نخل إن شاء اللَّه، فغرسه فلم يغادر منه نواة واحدة فهو من أوقاته، ووقف مالًا بخيبر وبوادي القرى، ووقف مال أبي نيرز والبغيبغة وأرباحاً وأرينة ورغد ورزيناً ورياحاً على المؤمنين، وأمر بذلك أكثر ولد فاطمة من ذوي الأمانة والصّلاح، وأخرج مائة عين بينبع وجعلها للحجيج، وهو باق إلى يومنا هذا، وحفر آباراً في طريق مكّة والكوفة، وبنى مسجد الفتح في المدينة، وعند مقابل قبر حمزة، وفي الميقات وفي الكوفة وجامع البصرة وفي عبادان وغير ذلك» [٦].
يقول المورّخ المعروف، البلاذري:
«إنّه كانَت غَلَّةُ عَليّ أَربعين أَلف ديناراً فجعلها صدقةً» [٧].
وكذلك ورد في شرح سيرة هذا الإمام عليه السلام أنّه قال:
«تزوَّجْتُ فاطمة وَما كان لي فراشٌ، وَصَدَقَتي اليوم لو
[١]. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج ١، ص ٢٦.
[٢]. مناقب خوارزمى، ص ١١٧.
[٣]. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج ١، ص ٢٦.
[٤]. بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٦٥، ح ١٠.
[٥]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣.
[٦]. بحار الأنوار، ج ٤١، ص ٣٢.
[٧]. بحار الأنوار، ج ٤١، ص ٢٦.