موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٥ - ١٠ قبول الفوارق ونفي الاختلافات الظالمة
يجاهد في سبيل اللَّه، عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال:
«من طلب الرزق من حلّه ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل اللَّه» [١].
١٠. قبول الفوارق ونفي الاختلافات الظالمة
إنّ الناشط الاقتصادي في ذات الوقت الذي يتحرك بسعي حثيث وبذل جهد كبير في العمل والإنتاج فلا ينبغي أنّ يتوقع التفوّق على جميع النشطاء والساعين في هذا المجال أو يكون مساوياً لهم على الأقل، فيجب عليه أن يقبل بأصل وجود التفاوت والاختلافات في الدرجات في المسائل الماديّة ويبتعد عن الحرص والحسد للآخرين، لأنّ القابليات والملكات مختلفة حتماً، فالقرآن الكريم يصرّح بهذه الحقيقة ويقول:
«نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً» [٢].
ويستفاد من هذه الآية الشريفة أنّ أشكال الفوارق والاختلافات في مستويات الحياة لأفراد البشر لا تعتبر دليلًا على اختلافهم وتفاوتهم في المقامات المعنويّة، بل بما أنّ الإنسان يعيش حياة جماعية وأنّ إدارة هذه الحياة لا تتيسر بدون خدمات متقابلة، فإنّ اللَّه تعالى منح أفراد البشر قابليات وإمكانات مختلفة لتتجلى على أساسها الاختلافات في المقامات والمستويات الاجتماعيّة، وبالتالي يتحقق أصل التعاون والاستخدام واستفادة البشر من بعضهم البعض.
وتأسيساً على ذلك فإنّ الناشط الاقتصادي يجب أن يلتفت إلى أنّه لا ينبغي أن يشعر بحالة الحسد للأشخاص الذين يتفوّقون عليه في الجهة الماديّة ولا يشعر بحالة التكبر والغرور بالنسبة لمن هو أدنى مرتبة منه في الأمور الماديّة، ولا يرى أنّ تفوّقه المادي عليهم هو المعيار لتفوقه في القيم الإنسانيّة، بل يعلم أنّ جميع هذه الأموال والمقامات الماديّة أولًا: لا قيمة لها في مقابل رحمة اللَّه ومرتبة القرب منه، وثانياً، أنّها وسيلة للامتحان والابتلاء في واقع الحياة.
وعلى هذا الأساس نقرأ في ذيل الآية الشريفة:
«وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ» [٣]
وفي آية أخرى نقرأ:
«وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَبَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ» [٤].
ويتبيّن ممّا تقدّم أنّ عمليّة الاستخدام والتسخير الواردة في الآية الشريفة بعنوان «سخرياً» لا يعني قبول النظام الطبقي والاستخدام الجائر للآخرين، لأنّ المراد منها مجرّد التعامل مع الآخرين في تبادل الخدمات والاستفادة من القابليات المتنوعة لدى الأفراد والتعاون في أمور الحياة، أي أنّ الاستخدام المتقابل من كلا الطرفين من قبيل الاستخدام المتقابل في الجهاز التنفسي ودوران الدم والجهاز الهظمي وسائر الأجهزة والأعضاء البدنية، أو من قبيل سلسلة المراتب في الجيش أو المنظمات أو المؤسسات
[١]. المصدر السابق.
[٢]. سورة الزخرف، الآية ٣٢.
[٣]. سورة الزخرف، الآية ٣٢.
[٤]. سورة الأنعام، الآية ١٦٥.