موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٧ - ب) تحقيق الأمن السياسي والاقتصادي
وهكذا نرى أنّ حكومة الإمام علي عليه السلام القصيرة في الكوفة، ومع وجود الحروب والنزاعات المتكررة، فإنّ جميع طبقات الناس كانوا يعيشون حياة كريمة وعزيزة، يقول الإمام عليه السلام في هذا المجال:
«ما أصبح بالكوفة أحدٌ إلّاناعماً، إنّ أدناهم منزلةً ليأكل البرّ ويجلس في الظلّ ويشرب من ماء الفرات» [١].
ويستفاد من كلام آخر للإمام علي عليه السلام أنّ هذه المسألة لا تختص بأهل الكوفة، بل إنّ الفئات الأخرى الذين يعيشون في مناطق أخرى غير الكوفة يعيشون هذه المعيشة كما ورد ذلك في عهد الإمام عليه السلام لمالك الأشتر يقول:
«ثمّ اللَّه اللَّه في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى ... واجعل لهم قسماً من بيت مالك وقسماً من غلّات صوافي الإسلام في كلّ بلد» [٢].
والأهم من ذلك كلّه أنّ تأمين الحياة الكريمة لأفراد المجتمع من قِبل الحكومة الإسلاميّة لا يختص بالمسلمين منهم بل يشمل أهل الذمّة وكلّ من عاش في ظلّ الدولة الإسلاميّة، فنقرأ في رواية:
«مرّ- الإمام علي عليه السلام- على شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام ما هذا؟ فقالوا: يا أميرالمؤمنين ...
نصرانيٌ! فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: استعملتموه حتّى إذا كبُر وعَجَز منعتموه؟ أنفقوا عليه من بيت المال!» [٣].
ب) تحقيق الأمن السياسي والاقتصادي
لا شك في أنّ إيجاد التوازن الاجتماعي بين أفراد المجتمع والتقارن النسبي في سقف معيشة الأفراد يعتبر من أهداف الاقتصاد الإسلامي، وفي دائرة التعاليم الدينيّة أنّ التفاوت فيالمعيشة بين الأفراد الناشيء من اختلاف قابلياتهم ومهاراتهم وسعيهم ليس فقط أمراً مقبولًا بل هو ضروري لبقاء ودوام حياة الإنسان والمجتمع.
يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا فإذا استووا هلكوا» [٤].
ولكن إذا اتسعت دائرة التمايز واشتدت حدّة الاختلاف في الدائرة الاقتصاديّة بحيث يستولي البعض على أكثر من حقّهم ويطالبون بأكثر من قدرتهم وقابليتهم في مسألة توزيع المنابع الأوليّة والإمكانات الاقتصاديّة والمشاغل والفرص الاجتماعيّة ففي هذه الصورة سيعرض المجتمع للطغيان والاضطرابات الاجتماعيّة الشديدة.
يقول القرآن الكريم:
«هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَّنْ يَبْخَلُ ... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ» [٥].
والتعبير ب
«يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ»
إشارة إلى بروز
[١]. المناقب، لابن شهر آشوب، ج ١، ص ٣٦٨؛ بحار الأنوار، ج ٤٠، ص ٣٢٧.
[٢]. نهج البلاغة، العهد لمالك الأشتر، الكتاب ٥٣.
[٣]. تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ٢٩٢، ح ٨١١.
[٤]. بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ٣٨٥، ح ١٠.
[٥]. سورة محمّد صلى الله عليه و آله، الآية ٣٨. انظر: تفسير المنير، ج ١٣، ص ٤٦٥ و التفسير الأمثل ذيل الآية مورد البحث.