موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٢ - أ) التكاثر
يقول:
«كَىْ لَايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ» [١].
بعد ذكر هذه المقدمة يمكن القول في تعريف «إكتناز المال»: إنّه عبارة عن تجميع الأموال والثروات بيد فئة خاصّة أو تجميد رؤوس المال وجعلها راكدة وإخراجها من حلبة الإنتاج والتوزيع.
وعلى هذا الأساس فإنّ «المكتنز للمال» تطلق على الشخص الذي يعيش الاهتمام فقط بزيادة ثروته وتراكم أمواله بعيداً عن مسألة الحلال والحرام ويتحرك على مستوى جمع الأموال من أي طريق كان، فيكون مصداق:
«الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ» [٢]
، فيهتم بجمع المال والثروة من موقع الحبّ والعلاقة الشديدة بالمال والثروة بحيث إنّه لا يعتبرها وسيلة، بل ينظر إليها بوصفها هدفاً ويتحرك أبداً من مواقع الشوق واللذة في جمعها وزيادتها، سواء جعلها راكدة في مكان معين أو قام باستثمارها لغرض زيادتها.
وممّا تقدّم يتبيّن أنّ «إكتناز المال» وعمل مذموم ولا يختص ب «الإكتناز» وتجميد الأموال، بل يشمل حتى الاستثمارات الغربية، يعني ما نراه من الاستخدام اليومي في عمليّة الاستثمار والتي يطلق عليها ب «التكاثر» أيضاً، لأنّه كما سيأتي في بحث «المصطلحات المرتبطة» أنّ الإنسان الذي يعيش التكاثر، وإن وضع رأس ماله في عجلة الإنتاج، ولكنّه لا يهدف من ذلك إلّابالإمساك بعنق الاقتصاد وحصر مراكز الإنتاج بيده.
وعلى هذا الأساس فإنّ بحوث هذا الفصل يمكن تنظيمها في قسمين أساسيين:
أ) التكاثر (التوزيع غير العادل للثروة)
ب) الإكتناز (تجميد الثروة)
٢. المصطلحات المرتبطة بالإكتناز
أ) التكاثر
«تكاثر» من مادة كثرة، وفي دائرة الثقافة القرآنيّة تطلق على طلب المزيد من الأموال والأولاد لغرض المباهاة والفخر على الآخرين؛ يقول الراغب الإصفهاني في مفرداته: «المكاثرة والتكاثر التباري [٣] في كثرة المال والعزّ» [٤].
وعلى هذا الأساس ورد في سورة الحديد التكاثر بوصفه مرحلة من مراحل حبّ الدنيا:
«اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ» [٥]
، وفرق التكاثر عن «التفاخر» في أنّ التفاخر يتعلق بالمباهاة بالأنساب والأحساب، ولكن «التكاثر» هو المباهاة في دائرة الأموال والأولاد وغير ذلك [٦]، وقد ورد في سياق بعض الروايات مفردة التكاثر مترادفة مع «الإكتناز» بمعنى جمع المال وإدّخاره وتجميده بدون لحاظ التفاخر والمباهاة، ففي الحديث الشريف عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله قال في مسألة التكاثر في الأموال:
«التكاثر في الأموال، جَمْعُها من غير حقِّها ومَنْعها من حقِّها وشَدُّها في الأوعية» [٧].
وثمة معنى ثالث أيضاً لهذه المفردة في الاستعمالات العرفيّة، وهو عبارة عن مطلق جمع
[١]. سورة الحشر، الآية ٧.
[٢]. سورة الهمزه، الآية ٢.
[٣]. تبارى الرجلان: «تعارضا وفعل كلاهما مثل ما يفعل صاحبهو تنافسا» (المعجم الوسيط، مادة «برى»).
[٤]. مفردات الراغب، مادة كثر.
[٥]. سورة الحديد، الآية ٢٠.
[٦]. انظر: التفسير المنير؛ غرائب القرآن؛ الميزان، ذيل الآيةالاولى من سورة التكاثر.
[٧]. تفسير نور الثقلين، ج ٥، ص ٦٦٢، ح ٨.