موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٤ - ١ المسؤوليّة العامّة
ومختاراً، ولا ينبغي سلب هذا الاختيار من الإنسان تحت أي ذريعة، وعلى أساس ما ورد في القرآن الكريم فإنّ أحد الأهداف المهمّة لنبي الإسلام صلى الله عليه و آله، مواجهة وفك القيود والأغلال التي تسلب من الإنسان حريته واختياره:
«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ» [١].
وطبقاً لهذه الآية الشريفة فإنّ رسول الإسلام صلى الله عليه و آله هو الذي يتولّى كسر هذه الأغلال والسلاسل التي تكبل يد الإنسان وقدمه وتحريره من هذا الأسر.
وعلى أساس هذه الرؤية الدينيّة لا أحد حتى الحكومة الإسلاميّة له الحقّ في سلب الحرية والاختيار من أفراد البشر في الظروف العادية أو فرض قيود ومحدوديات في مجال النشاطات الاقتصاديّة، العمل، اختيار نوع العمل والمهنة، تغيير مكان الكسب و ...، ولكن من جهة فإنّ تحقق قسم المهم من أهداف المجتمع والمصالح العامّة يستوجب تدخل الحكومة في تلك الدائرة الخاصّة، وهذا يبتني على عدّة مباني نشير إلى أهمها:
١. المسؤوليّة العامّة
(ترجيح المصالح العامّة على المصالح الفرديّة)
إنّ الإنسان في دائرة التعليم الدينيّة، في ذات كونه حرّاً ومختاراً، فإنّه مسؤول أيضاً، بل إنّ حرية الفرد مقترنة مع مسؤوليّاته، ومنها مسؤوليّته في مقابل المجتمع، ومن هذه الجهة نرى أنّ القرآن الكريم يقرر تكاليف ومسؤوليات على الامم مضافة للمسؤوليات المتوجهة للأفراد أيضاً، وفي يوم القيامة فإنّ الأفراد يسألون عن تكاليفهم الجمعية كما يسألون عن تكاليفهم الفرديّة [٢].
فمع أنّ أفراد البشر أحرار ومختارون من الجهة الفرديّة، ولكن بما أنّ هذه الحرية تقترن بالتكليف والمسؤوليّة الاجتماعيّة فيما يتصل بالقيم الإلهيّة فإنّ تحقق هذه القيم بصورة طبيعيّة في الميادين الاجتماعيّة ومنها في مجال النشاطات الاقتصاديّة لا يتيسر بدون حضور وتدخل الحكومة الإسلاميّة.
يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر: إنّ الواجب على الحاكم الإسلامي أن يتدخل في السوق والاقتصاد لتحقيق القيم الإلهيّة، وبالتالي يسعى لتوفير الأرضيّة المناسبة لحركة الإنسان في خط التعالمي والمعنويّة.
وكما أشرنا سابقاً أنّ الإمام علي عليه السلام بعد أن يوصي مالك الأشتر بالتجّار والكسبة وأنّهم يمثّلون طبقة من الكادحين والنافعين للمجتمع يقول:
«واعلم- مع ذلك- أنّ في كثير منهم ضيقاً فاحِشاً وشُحّاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكّماً في البياعات وذلك بابُ مضرّة للعامة وعيب على الوُلاة فامنع من الإحتكار ... وليكن البيع بيعاً سَمحاً بموازين عدل وأسعارٍ لا تُجْحِفُ بالفريقين
[١]. سورة الأعراف، الآية ١٥٧.
[٢]. انظر: سورة النحل، الآية ٨٩؛ سورة الجاثية، الآية ٢٨.