موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢١ - الأوّل تحريم الربا
وإكتناز المال، القيود الكثيرة التي وضعها الإسلام في هذا المجال بحيث تترك كلّ واحدة منها أثراً مباشراً في إعاقة تراكم الثروة، ونشير هنا إلى بعض الموارد منها:
الأوّل: تحريم الربا
إنّ أسوء الطرق التي تقود إلى إكتناز المال «الربا»، والإسلام يرى بأنّ المعاملات الربويّة وكسب المال من هذا الطريق يعتبر من أسوء أنواع الكسب وتحصيل المال وقد ورد في رواية عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«شرّ المكاسب كسب الربا» [١].
ويقول الإمام الرضا عليه السلام:
«إنّ الربا حرامٌ سحت من الكبائر وممّا قد وعد اللَّه عليه النار فنعوذ منها وهو محرم على لسان كلّ نبيّ وفي كلّ كتاب» [٢].
وقد ورد الذم الشديد على هذا العمل بحيث إنّ اللَّه تعالى ونبيّه صلى الله عليه و آله يعلنون الحرب على المرابين:
«فَإِنْ لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» [٣].
إنّ حرمة المعاملات الربويّة في دائرة التعاليم الدينيّة إلى درجة من الأهميّه بحيث إنّ جميع المشتركين في المنظومة الربويّة يصابون بلعنة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله فقد ورد في حديث عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«لعن اللَّه آكل الربا وموكّله وشاهده وكاتبه» [٤].
ويستفاد من الروايات أنّ أحد الحِكم في تحريم الربا تتمثّل في الفساد المالي، لأنّ المعاملة الربويّة تستلزم جمع أموال كثيرة بدون تقديم أي نشاط اقتصادي ومن دون أن يتضرر المرابي من هذه المعاملة، وهذا هو الشيء الذي يخل بالتوازن والتعادل الاقتصادي في المجتمع.
في منظومة الاقتصاد الربوي، ربّما يواجه مئات الأشخاص أزمات ماليّة بعد مدّة في مقابل شخص واحد من المرابين المتمولين وتذهب رؤوس أموالهم تدريجيّاً إلى جيب شخص واحد أو مؤسسة ربويّة واحدة، وهذا العمل يؤدّي إلى فقر وتدمير حياة مئات الأشخاص من جهة، وتراكم الثروات وتكاثر الأموال بيد فرد أو أفراد معددوين من جهة أخرى، وبذلك يتعرض التعادل الاقتصادي في المجتمع إلى الإرباك والاهتزاز.
وخلاصة الكلام أنّ الربا يتسبب في اجتناب أصحاب المال والثروة دفع أموالهم باتّجاه الإنتاج والتجارة والنشاطات الاقتصاديّة المفيدة، ومن خلال المعاملات الربويّة يتحركون على مستوى جمع الأموال وإدّخار الثروات، ومعلوم أنّ هذا العمل يؤدّي تدريجيّاً إلى ظهور فئة وطبقة في المجتمع تدعى بالمرابين من دون أن يضعوا أموالهم وثرواتهم في مسار الإنتاج المثمر، فيحصلون بأموالهم على المال بشكل مباشر، وفي مقابل ذلك نرى أنّ قسماً عظيماً من عامّة الناس يشتغلون في أعمال منتجة ومساعي
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٤٢٣.
[٢]. فقه الرضا، ص ٢٥٦، ح ٣٨؛ بحارالانوار، ج ١٠٠، ص ١٢١.
[٣]. سورة البقرة، الآية ٢٧٩.
[٤]. مسند أحمد، ج ١، ص ٣٩٣. فقد ورد مثله في منابع الشيعة أيضاً في رواية عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله. انظر: وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٤٣٠.