موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٨ - هل أنّ الفقر افتخار؟
خلق الإنسان دون الاستفادة من مواهب الدنيا غير ممكن.
والمذموم من الدنيا أيضاً أن يجعل الإنسان الدنيا مقصده ومقصوده النهائي ويرتاح لها ويطمئن بها، وبكلمة يكون (عبداً وأسيراً للدنيا) كما ورد في القرآن الكريم:
«انَّ الَّذينَ لَايَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا» [١].
إنّ اعتبار الحياة الدنيا بمثابة وسيلة وقنطرة لا يعدّ عيباً، بل العيب نعدّها هدفاً وغاية، كما يستفاد من كلمة «واطمأنّوا بها» في الآية السابقة، وكذلك يستفاد هذا المعنى من آية أخرى يقول القرآن الكريم:
«فَأَعْرِضْ عَنْ مَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ» [٢].
وفي دائرة الثقافة الإسلاميّة بيع الإيمان والآخرة بالدنيا هو المذموم: (سورة البقرة، الآية ٨٦؛ آل عمران، الآيات ٧٧ و ١٨٧؛ المائدة، الآية ٤٤؛ التوبة، الآية ٩) وشراء الآخرة بالدنيا ممدوح: (سورة التوبة، الآية ١١١؛ الصف، الآية ١٠ و ١١). وفي نهج البلاغة مع وجود روايات كثيرة في ذم الدنيا، فقد ورد فيه مدح الدنيا والترغيب في الاستفادة الصحيحة منها [٣].
ومن مجموع التعاليم الإسلام يمكن التوصل إلى رؤية متعادلة، وهذه الرؤية المتعادلة ترسم العلاقة الوثيقة والعميقة في الدنيا والآخرة وثمة قرائن وشواهد كثيرة على هذا المعنى في كلا الطائفتين من الآيات والروايات السابقة، وقد ورد في الروايات الإسلاميّة وصف الدنيا والاستفادة الصحيحة من النعم الإلهيّة فيها بعنوان:
«نعم العون على طلب الآخرة» [٤].
وفي حديث آخر يبيّن علاقة الدنيا بالآخرة بشكل شيق وجذّاب بحيث إنّ الإنسان ينبغي عليه أن يعيش دوماً بين حالتي الخوف والرجاء، يعني أنّه في الأعمال المرتبطة بالدنيا لا ينبغي بسبب تصور الموت والفناء أن يترك نشاطاته وأعماله فيها وبالتالي يجعل من فناء الدنيا ذريعة للتكاسل في حركة الحياة.
وهذا هو معنى ما ورد في الحديث المعروف:
«اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً» [٥].
وفي هذا المجال ثمة آيات وروايات كثيرة يطول استعراضها كلّها، والملفت للنظر أنّ في الآيات والروايات من الطائفة الاولى التي تقرر ذم الدنيا، هناك قرائن تشير إلى أنّ ترك الدنيا وعدم الاهتمام بها بشكل تام، لا يعدّ عملًا عقلانياً ولا مقبولًا لدى الشرع، لأنّه يؤدّي إلى انهدام النظم الاجتماعي وعدم تقدّم المسلمين وبالتالي زوال عزّتهم وكرامتهم.
ويقرر الشاعر والعارف جلال الدين الرومي في شعره هذا المعنى مع ذكر مثال جميل لذلك ويقول ما معناه:
- نحن السفينة والدنيا بحر
- فلو كان ماء البحر تحت السفينة فإنّه يوجب حركتها وسلامتها.
- وإذا دخل في السفينة فإنّه سيكون سبب الهلكة [٦].
إنّ علاقة الإنسان بالدنيا تتلخص بهذه الصورة أيضاً، فالمهم الحصول على رؤية صحيحة وتفسير سليم لكيفية العلاقة بين الإنسان والدنيا على أساس الآيات والروايات الشريفة، ففي النصوص الإسلاميّة لم يرد ذم أصل الدنيا، بل حالة الاغترار بالدنيا [٧] وعَرَض الدنيا [٨]، والنظر إليها فقط:
«وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ» [٩]
وأن يجعلها الإنسان هدفاً ومقصداً له ويقع بالتالي أسيراً لها.
هل أنّ الفقر افتخار؟
ومن خلال التحقيق في روايات الفقر نواجه أولًا الروايات التي يظهر منها مدح الفقر.
ومن بين روايات كثيرة في هذا المجال نكتفي بذكر عدّة روايات:
١. في الحديث المعروف عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه
[١]. سورة يونس، الآية ٧.
[٢]. سورة النجم، الآيات ٢٩ و ٣٠.
[٣]. انظر: نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ١٣١.
[٤]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ١٧، أبواب مقدمات التجارة، باب ٦، ح ٥. وقد ورد ما يشبه هذا المعنى في كنز العمال، ج ٣، ص ٢٣٩، ح ٦٣٤١.
[٥]. مستدرك الوسائل، ج ١، ص ١٤٦، ح ٢٢٠.
[٦]. يقول المولوي ما معناه:
الماء في داخل السفينة سبب في هلاك أهل السفينة
والماء تحت السفينة سبب لحركة السفينة إلى الأمام.
[٧]. سورة آل عمران، الآية ١٨٥؛ الأعراف، الآية ٥١؛ الأنعام، الآية ٧٠ و ١٣٠ و ....
[٨]. سورة النساء، الآية ٩٤؛ الأعراف، الآية ١٦٩؛ الأنفال، الآية ٦٧ و ....
[٩]. سورة الحجر، الآية ٨٨.