موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٠ - الحياة بدون حضور اللَّه «المعيشة الضنكا»
سَيْلَ الْعَرِمِ ... ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ» [١].
إنّ كفران النعمة هو العامل الأساس على هدم هذا التمدن، وعلى حدّ تعبير سيد قطب «أعرضوا عن شكر اللَّه وعن العمل الصالح والتّصرف الحميد فيما أنعم اللَّه عليهم، فسلبهم سبب هذا الرخاء الجميل الّذي يعيشون فيه» [٢].
وكذلك يتحدّث اللَّه تعالى في الآية ١١٢ و ١١٣ من سورة النحل عندما يذكر تلك المدينة النموذجية، فإنّه يستعرض ثلاث نعم ماديّة ونعمة واحدة معنويّة عليهم، بداية يقول:
«وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ
...» جل جلاله مّ يقول:
«وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ».
وعلى تعبير التفسير الأمثل: «فبهذه النعم الماديّة الثلاثة (الأمن، الاطمئنان، باستمرار الحياة وجلب الرزق) تصل المجتمعات إلى درجة تكامل حياتها الماديّة فقط، ووصولًا للحياة المتكاملة من كافة الجوانب (مادياً ومعنوياً) تحتاج المجتمعات إلى نعمة الإيمان والتوحيد، ولهذا فقد جاء بعد ذكر هذه النعم:
«وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ»» [٣].
وكما يقول الطباطبائي رحمه الله في تفسير الميزان:
«وهذه هي النعمة المعنويّة التي أضافها إلى النعم الماديّة المذكورة، وكان فيها صلاح معاشهم ومعادهم وتحذير لهم من الكفران بأنعم اللَّه وشرح ما فيه من الشؤم والشقاء، لكنهم كذبوا رسولهم الذي هو منهم يعرفونه ويدرون أنّه إنّما يدعوهم لأمر إلهي ويهديهم إلى سبيل الرشاد وسعادة الجد فظلموا ذلك فأخذهم العذاب بظلمهم» [٤].
ونرى أنّ النّبيإبراهيم عليه السلام أيضاً طلب في دعائه من الباري تعالى الأمن في أرض مكّة ثمّ طلب الإزدهار الاقتصادي:
«رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ» [٥]
، وطبقاً لآية أخرى فإنّه يطلب حالة الأمن أولًا، ثمّ الابتعاد عن الشرك وعبادة الأوثان:
«رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ» [٦].
وفي الحقيقة فإنّ الالتفات والاهتمام بالمعنوية والابتعاد عن الشرك وعبادة الأوثان يقترن بالأمن والرفاه في المدينة الفاضلة للنبي إبراهيم عليه السلام.
الحياة بدون حضور اللَّه «المعيشة الضنكا»:
إنّ المعنويّة والتوجه إلى اللَّه إلى درجة من الأهميّة في التعاليم الإسلاميّة بأنّ كلّ شخص مهما امتلك من نعم ومواهب الماديّة كثيرة ولكنّه يعيش البعد عن اللَّه والغفلة عن ذكره فإنّ حياته ستكون صعبة وسيعيش حالات الضنك والألم ولا يجد الرفاه والتنمية الحقيقيّة طريقاً إلى حياته، وإن كانت مظاهر هذه الحياة جذّابة ومترفة وتتوفر فيها جميع وسائل الراحة والتقدم.
القرآن الكريم يصرح بهذا المعنى:
«وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً» [٧].
و «ضنك» الصعوبة والضيق و «المعيشة الضنكا» يعني المعيشة الصعبة والضيقة [٨] وأمّا كيف يتسبب الإعراض عن ذكر اللَّه وعدم الاهتمام بأحكامه وتعاليمه في ضنك المعيشة وصعوبة الحياة؟ فإنّ المفسرين طرحوا في تفسيرها أقوالًا عدّة:
يقول العلّامة الطباطبائي رحمه الله: «ذلك أنّ من نسي ربّه وانقطع عن ذكره لم يبق له إلّاأن يتعلق بالدنيا
[١]. سورة سبا، الآية ١٦ و ١٧.
[٢]. في ظلال القرآن، ج ٦، ص ٦٤٠.
[٣]. التفسير الأمثل،، ج ٧، ذيل الآية مورد البحث.
[٤]. انظر: الميزان، ج ١٢، ص ٣٦٣.
[٥]. سورة البقرة، الآية ١٢٦.
[٦]. سورة إبراهيم، الآية ٣٥.
[٧]. سورة طه، الآية ١٢٤.
[٨]. مفردات الراغب، مادة «ضنك».