موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤ - البحث الثالث الوسيلة أم الهدف؟
اللغة العربية وكرس في أذهان البعض أنّ المال والثروة وجميع العلاقات الماديّة تعد مانعاً في طريق تحصيل السعادة، إلى درجة أنّ البعض كما نقل أبوحامد الغزالي، كانوا يلقون بأموالهم في البحر لتهذيب وتزكية أنفسهم [١].
ويستفاد من بعض الأحاديث في هذا الشأن أنّ هذه الفكرة كانت تنتشر بين حين وآخر عند بعض صحابة النّبي صلى الله عليه و آله ومن بين الصحابة من ترك زوجته وأبناءه وطلق الحياة الدنيا وتوجه نحو الصحاري والجبال للعيش هناك، ولكن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله زجرهم عن هذا العمل إلى درجة أنّ بعض شأن النزول الوارد لبعض الآيات القرآنية كان ناظراً إلى هذه الحالة [٢]، ومن ذلك شكوى علاء بن زياد عند أميرالمؤمنين عليه السلام من أخيه عاصم، ممّا يحكي عن وجود هذا النوع من التفكر في أشخاص مثل عاصم في ذلك العصر [٣].
وهكذا حكاية الرجل الذي جاء إلى أميرالمؤمنين عليه السلام وهو يذكر الدنيا، فقال له الإمام عليه السلام:
«أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا
وأخذ يذكر كلمات وعبارات تستبطن مدح الدنيا والثناء على هذه الحياة وأنّها:
مَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ» [٤].
هذه الروايات تبيّن أنّ بعض الجماعة لم يتمكنوا من حلّ هذا التضاد وعدم الاتساق بين هذه النصوص، ومن أجل حل هذه المسألة من الضروري الالتفات إلى هذه النقطة، وهي أنّ اختلاف التعابير الوارد في هذه النصوص غير ناظر بشكل مباشر إلى أصل المال والثروة، بل في الحقيقة إلى نوع ورؤية تعامل الإنسان مع أمواله.
وتوضيح ذلك: أنّ الإسلام دين جامع لجميع الأبعاد الماديّة والمعنويّة، الفردية والاجتماعيّة للإنسان، والبرنامج الاقتصادي للإسلام يهدف إلى تحصيل سعادة الدنيا والآخرة، في هذه الرؤية المنسجمة مع واقع فطرة الإنسان لا يوجد تعارض بين الدنيا والآخرة، ولا تقف الدنيا فيها مقابل الآخرة، بل الحياة الأخروية تعتبر امتداداً للحياة الدنيويّة، ومن هذه الجهة فالرؤية الإسلاميّة لا تحقر أصل المال من جهة، ولا شكل الإنتاج أو المصرف من جهة أخرى، بل كلّ ذلك وقع مورد التأكيد والتوصية في دائرة المفاهيم الدينيّة، وأمّا ما وقع في مورد الذم أو المدح فهو رؤية الإنسان لإمكاناته الماديّة وكيفية تعامله معها.
وفي هذه الرؤية إذا جعل الإنسان من إمكاناته الماديّة وسيلة للنشاط والعمل والإنتاج والاشتغال وتحرك على مستوى إعمار حياته وفي ذات الوقت الإنفاق في سبيل اللَّه، فإنّ المال والثروة تكون تابعة لتلك الأهداف المتعالية الإنسانيّة وتكون ذات قيمة، ولكن إذا غفل عن هذه الأهداف والقيم المتعالية واعتقد بأنّ
[١]. انظر: مظاهر الحق، (جلوه حق) بالفارسيّة، ص ١٥٨.
[٢]. عندما أُخبر النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّ جماعة من المسلمين تركواالدنيا واختاروا العزلة والعبادة، غضب لذلك وعاتبهم بشدّة وقال: «لا رهبانيّة في الإسلام» (دعائم الإسلام، ج ٢، ص ١٩٣) وفي حديث آخر قال «لعثمان بن مظعون»: «إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانيّة إنّما رهبانيّة أمّتي الجهاد في سبيل اللَّه»، (بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ١١٤). وهكذ ورد في الآية ٢٧ من سورة الحديد جملة: «وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ» والتي تتضمّن توبيخاً على ترك الدنيا.
[٣]. انظر: نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٩.
[٤]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ١٣١.