موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥ - البحث الثالث الوسيلة أم الهدف؟
المال والثروة أصل في الحياة وتورط في مسابقة مجنونة في عمليّة التكاثر والإدّخار وجمع المال وترتب على ذلك تحقير الآخرين ورؤيته لذاته من مواقع الفوقية والغرور، وطلب الثروة من أجل الثروة نفسها بعيداً عن أحكام الحلال والحرام أو إنشغل بها عن وظائفه الدينيّة، فإنّ الإسلام قطعاً لا يوافق على هذه الحالات الماديّة ويقف موقفاً سلبياً من هذه الثروة ويرى بأنّها خطيرة جدّاً على شخصية الإنسان السامية.
وخلاصة الكلام أنّ المال في حدّ ذاته لا يعتبر مذموماً في الرؤية الدينيّة، ولكن إذا صار مصدراً للفساد والانحطاط لشخصية الإنسان، فمثل هذا المال والثروة يعد أمراً مذموماً ومخالفاً للقيم الدينيّة والإنسانيّة ولا يعتبر خيراً.
وتقرر الآية الشريفة:
«إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَّآهُ اسْتَغْنَى» [١]
، أنّ الإنسان يتحرك من مواقع الطغيان إذا رآى في نفسه الاستغناء عن مصدر العزّة والكرامة، فهذه الآية تبيّن هذه الحقيقة وهي أنّ كيفية رؤية الإنسان للمال والثروة من شأنها تغيير شخصيّة الإنسان وسوقه في دروب الفساد والضلالة.
وعبارة «أن رآه استغنى» بدلًا من «الغني والمقتدر» توحي بأنّ ما فيه خطر للإنسان هو نوع رؤيته وتصوره عن المال والثروة لا عن أصل وجود المال ولا كيفية تحصيله وإنفاقه.
ونقرأ في حديث شريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«نعم المال الصالح للرجل الصالح» [٢].
وكما قال الشاعر:
|
إذا المرءُ لَم يَعتَق مِنَ المالِ نَفْسَهُ |
تَمَلَّكَهُ المالُ الّذي هُو مالِكُهُ |
|
|
ألا إِنّما مَالِي الَّذي أَنا مُنفِقُ |
وَلَيسَ لِي المالُ الّذي أنا تارِكُهُ |
|
|
إذا كُنتَ ذامالٍ فَبادِرْ بِهِ الّذي |
يَحقُّ وَإلّا استَهلَكَتْهُ مَهالِكُهُ |