موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٦ - رأي فقهاء أهل السنّة بالتسعير
جاز، لأجابهم إليه، وعلل بكونه مظلمة، والظلم حرام، ولأنّه ماله فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان، كما اتفق الجماعة إليه، ولأنّ في التسعير إضرار بالناس. إذا زاد تبعه أصحاب المتاع. وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع» [١].
ولكن الملاحظة الجديرة بالبحث هي: هل أنّ للحاكم الحقّ في التسعير في حالة الضرورة وعندما يكون الناس في حاجة شديدة إلى تلك البضاعة ولا يقبل البائع ببيعها إلّابقيمة عاليّة، أم لا؟
يقول النووي في المجموع: «قال الرافعي: وهل يجوز التسعير؟ إن كان في وقت الرخص فلا، وإن كان وقت الغلاء فوجهان: أحدهما به قال مالك يجوز رفقاً بالضعفاء، وقال الآخرون: بعدم الجواز» ثمّ أضاف الرافعي: «وأوضحها: أنّه لا يجوز تمكيناً للناس من التصرف في أموالهم، ولأنّهم قد يمتنعون بسبب ذلك عن البيع، فيشتدّ الأمر على الناس».
وينقل النووي آراء الآخرين أيضاً ويقول في ختام كلامه: «فإذا باع الناس سلعهم على الوجه المعروف وقد ارتفع السعر إمّا لقلّة الشيء أو لكثرة الخلق، فهذه إلى اللَّه، كما في حديث أنس، فإكراه الناس على أن يبيعوا بقيمة يعينها إكراه غير مشروع، أمّا إذا امتنع أصحاب السلع من بيع سلعهم مع ضرورة الناس إليها إلّابزيادة على القيمة المعروفة، فهنا وجب بيعهم السلع بقيمة المثل، والتسعير هنا جائز وعادل» [٢].
طبقاً لرأي النووي فإنّ جواز التسعير في الحقيقة يتعلق بالغلاء الموهوم في السوق وذلك عندما يقوم جماعة من التجّار باحتكار البضائع وإيجاد السوق السوداء وبالتالي يبيعون ما يحتاجه الناس من ضروريات الحياة بقيمة عالية، فهنا يستطيع الحاكم أنّ يتحرك على مستوى التسعير، ولكن إذا كان غلاء البضاعة ناشيء من مقولة العرض والطلب، وكان ارتفاع السعر بسبب قلّة البضاعة وعدم التعادل بين العرض والطلب، فهنا لا يمكن إجبار الباعة على بيع بضاعتهم بقيمة معينة، لأنّه من الطبيعي في صورة قلّة البضاعة فإنّ الباعة أيضاً يجب عليهم شراء البضاعة بقيمة أغلى أيضاً، فهنا لا يجوز إجبارهم على قيمة معينة.
يقول صاحب كتاب الفقه الإسلامي وأدلّته:
«وأجاز المالكيّة والحنفيّة للإمام تسعير الحاجيات.
دفعاً للضرر عن الناس. بأن تعدى أصحاب السلعة عن القيمة المعتادة تعدياً فاحشاً. فلا بأس حينئذٍ بالتسعير بمشورة أهل الرأي والبصر. رعاية لمصالح الناس والمنع من غلاء السعر عليهم. والافساد عليه.
ومستندهم في ذلك القواعد الفقهيّة: «لا ضرر ولا ضرار».
ثم يشير إلى الرواية المشهورة عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله ويقول: ... فامتناع الرسول من التسعير لا لكونه تسعير. وإنّما لكون علة التسعير وهي ظلم التجّار أنفسهم غير متوفر. فهم كان يبيعون بسعر المثل. وإنّما كان ارتفاع السعر ليس من قبل التجّار. وإنّما بسبب
[١]. الفقه الإسلامي وأدلّته، ج ٤، ص ٢٦٩٦.
[٢]. المجموع، ج ١٣، ص ٤٩- ٥٠.