موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١١ - ١ ماذا يعني إكتناز المال؟
الإكتناز وخروج الثروة عن دائرة الإنتاج
مقدّمات
١. ماذا يعني إكتناز المال؟
إنّ جميع الأموال والثروات وعلى أساس تعاليم الإسلام ملك للَّهتعالى وقد أودعها بيد الإنسان كأمانة لينتفع منها في طريق تكامله المعنوي ووصوله إلى ساحل السعادة والنجاة وسلوك طريق الفلاح بسلامة بعيداً عن قوى الباطل والدنيا.
يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«المال مالُ اللَّه جعله ودائعَ عند خلقه» [١].
وفي هذه الرؤية فإنّ مالكيّة الإنسان في الحقيقة مالكيّة استخلافيّة، بمعنى أنّ الإنسان يستطيع أن يتصرف بماله بإذن المالك الحقيقي له (وهو اللَّه تعالى) وينفقه في محلّه المناسب:
«وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» [٢].
والمال في هذه الرؤية يعتبر وسيلة لاستمرار وتقوية الحياة الماديّة السليمة لغرض الوصول إلى المقاصد الإنسانيّة العالية.
يقول الإمام الباقر عليه السلام بالنسبة للدرهم والدنيا:
«جَعَلها اللَّه مَصِحَّةً لخلقه وبها يَستقيم شؤونهم ومطالبهم» [٣].
وفي دائرة الثقافة الدينيّة فإنّ الشؤون المعنويّة والعباديّة أيضاً، يمكن تدبيرها بواسطة المال والثروة، فنقرأ في حديث عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«إنّ اللَّه قال: إنّا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة» [٤].
وبديهي أنّ هذه الخصوصيّة المهمّة للمال تستلزم أن يوضع المال في دائرة الإنتاج والتوزيع بعيداً عن تجميده وخزنه، بأن يكون المال قابلًا للاستفادة منه من قِبل الجميع وتحت شروط معينة، ولكن لو سلبت من المال هذه الخصوصيّة، يعني أن يتمّ وضع المال في زاوية وإدّخاره على شكل كنز راكد، أو جرى احتكاره والاستيلاء عليه من قِبل فئة معينة أو جماعة خاصّة وخرج من يد عامّة الناس، ففي هذه الصورة سوف لا يؤثر المال أثره المطلوب في تقويم ودوام الحياة الاقتصاديّة في المجتمع ويتخذ بذلك صورة «المال المكتنز».
وفي عمليّة «إكتناز المال» فإنّ المال بدلًا من أن يكون وسيلة لاستمراريّة ودوام حياة الفرد والمجتمع، فإنّه يكون هدفاً بذاته، وهذا هو الشيء الذي يرفضه الاقتصاد الإسلامي وكلّ اقتصاد معقول في العالم.
وجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم وفي بيان الحكمة من تقسيم الغنائم بين جميع القادة والجنود والعاديين،
[١]. مستدرك الوسائل، ج ١٣، ص ٥٢، ح ١٤٧٢٠.
[٢]. سورة الحديد، الآية ٧.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٠، ص ١٣٨، ح ٧.
[٤]. كنز العمال، ج ٣، ص ٢٠٠، ح ٦١٦٥.