موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٢ - ٧ مقدمّية النعم الماديّة
واشباع الملذات الجسمانية والغفلة عن حاجات الروح والنفس البشريّة.
٧. مقدمّية النعم الماديّة
إنّ الناشط الاقتصادي في نظر القرآن والروايات الشريفة إلى جانب اهتمامه بإشباع حاجات الروح وتقوية وتنعم البدن يجب أن يلتفت إلى أنّ الدنيا مزرعة ومقدّمة للآخرة، وأنّ قيمة الحياة الدنيا لكلّ إنسان تنحصر بمقدار ما يستفيد منها لآخرته، ويصرّح القرآن الكريم بهذه الحقيقة ويقول:
«وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ» [١]
، وفي عبارة:
«وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ
مِنَ الدُّنْيَا»
الواردة في ذيل هذه الآية الشريفة ذكر المفسرون احتمالات متعددة، ولكن ظاهر الآية وما يؤيده من روايات أهل البيت أنّ هذه الجملة بصدد تفسير ما ورد في صدر الآية، كما روى ذلك الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليه السلام، أنّه قال:
«لا تنس صحتك وقوّتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الآخرة» [٢]
وأن تكون استفادتك من هذه الأمور الخمسة لمنافعك الاخروية.
ومعلوم أنّ هذه الرؤية، أي رؤية الدنيا وسيلة للآخرة وكونها جسراً لها وسبباً لنيل الإنسان الكمالات المعنويّة، ليس فقط لا تعيق نشاط الإنسان في المجال الاقتصادي، بل تتسبب في زيادة الإنتاج وإيجاد الرفاة العام في فضاء المجتمع الإسلامي، لأنّ الإنسان الذي يملك هذه الرؤية لا ينطلق في عمله وسعيه من موقع رفع حاجات الماديّة والشخصيّة فقط، بل يهتم برفع حاجات الجيران والأقرباء وسائر اخوته في الدين أيضاً، بل حاجات المجتمع البشري الكبير أيضاً، ويتحرك بدافع الاهتمام بالطبقة الفقيرة أيضاً، لأنّه يعيش رؤية دينيّة تدعوه إلى تقوية آليات الوصول إلى السعادة الاخروية وتوثيق الإرتباط بعالم الغيب للوصول إلى كمالات أكثر ومراتب أعلى في سلّم المعنويات ومعراج الكمال الإلهي.
وعلى هذا الأساس، فمضافاً إلى زيادة نشاطه الاقتصادي في حركة الحياة فإنّ هذا النشاط يتضمن السلامة العالية أيضاً ولا يوجد فيه أي تضييع لحقوق الآخرين، بل يقترن دوماً في جميع مراحل الإنتاج والتوزيع باحترام حقوق الآخرين ورعايتها.
إنّ الناشط الاقتصادي الذي يجعل الآخرة هدفاً له والدنيا وسيلة، لا يجد أي قيد في مجال الاستهلاك والإنتاج سوى قيد الحلال والربح المشروع، بل إنّه في صورة توفر أدوات الإنتاج من قبيل القوى البشريّة، الأرض، التقنية، والإدارة الصحيحة ومع رعاية الموازين الشرعيّة ودفع الحقوق الماليّة الواجبة والمستحبة وبنيّة القربة إلى اللَّه، يتحرك نحو إنتاج أكثر لإشباع حاجات أكثر للمحتاجين والمحرومين وبالتالي يحقق لنفسه درجات أرفع وأعلى في الآخرة.
إنّ السيرة الاقتصاديّة لأولياء الدين وخاصّة أميرالمؤمنين علي عليه السلام وسعيه العجيب في مجال الإنتاج والإعمار وقبل استلامه لمقاليد الحكم
[١]. سورة القصص، الآية ٧٧.
[٢]. وسائل الشيعة، ج ١، ص ٩٠، ح ٢١١.