موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٩ - ب) الوقاية من الفواصل الطبقيّة الخطيرة
إفساد روح الإنسان وتلويث قلبه، والقسم الآخر يؤدّي إلى فساد النظام الاجتماعي والسياسي أو إرباك النظام الاقتصادي في المجتمع وإنهدامه.
ومعلوم أنّ كلّ واحد من هذه الموارد يمكنه أن يكون حكمة وغاية من تحريم إكتناز المال، فنشير هنا إلى أهم هذه الموارد:
أ) تحرير الإنسان
إنّ تشريع الأحكام في دائرة المسائل الماديّة والاقتصاديّة يمتد بجذوره قطعاً إلى تربية الروح وتهذيب النفس وطهير باطن الإنسان، كما أشار القرآن الكريم إلى هذه النقطة الظريفة في أخذ الزكاة تقول الآية:
«خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا» [١].
ونستوحي من عبارة:
«تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا»
أنّ الزكاة ليست مجرّد إنفاقاً بسيطاً، بل تترتب عليها آثار روحية ونفسيّة مهمّة وتؤدّي إلى تطهير النفس من الرذائل الأخلاقيّة كحبّ الدنيا والبخل والشح، يعني أنّ الإنسان بهذا العمل يزرع بذور الفضيلة في أعماق وجود وروحه ويبعث على تقوية حركته في خط التعالي والتكامل المعنوي.
ونقرأ في حديث عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«أخرج الزكاة من مالك فإنّها طهور يطهّرك اللَّه» [٢].
إنّ فلسفة تحريم إكتناز المال تعود بالضبط إلى هذه النقطة المهمّة والحيوية، فإنّ اجتناب تجميع المال يبعث على الرشد المعنوي والتعالي الروحي للإنسان ويؤدّي إلى خلاصه من أسر الصفات الذميمة ونجاته من زخارف الدنيا وحالات التجمّل والانخداع بها.
والقرآن الكريم في بيان قبح البخل، وهو الأساس لجمع المال، يشير إلى نكتة دقيقة في هذا المجال ويقول: إنّ البخل يضر قبل كلّ شيء بشخص البخيل ويعيقه عن سلوك طريق التعالي والتكامل:
«وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَّفْسِهِ» [٣].
ويقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«الطمع رقٌّ مؤبَّد» [٤].
ويستفاد من هذه التعابير بصورة جيدة كما أنّ «إكتناز المال» يمتد بجذوره إلى صفات رذيلة كالبخل والحرص والوقوع في أسر الملذات الرخيصة والماديات، فإنّ التوقي منه يؤدّي إلى خلاص الإنسان من هذه الرذائل النفسانيّة المهمّة.
ونقرأ في حديث عن نبي الإسلام صلى الله عليه و آله قوله:
«برئ من الشحّ من أدّى الزكاة» [٥].
ومعلوم أنّ الإنسان مادام يعيش أسير هذه الرذائل النفسانيّة، فإنّه لا يستطيع تسلق مراتب السعادة والتكامل ولا يعيش حالة العزة والطمأنينة في واقع الحياة.
ب) الوقاية من الفواصل الطبقيّة الخطيرة
إنّ المجتمعات البشريّة عاشت على إمتداد التاريخ حالة الطبقيّة وانقسام المجتمع إلى قطبين: طبقة
[١]. سورة التوبة، الآية ١٠٣.
[٢]. كنز العمال، ج ٦، ص ٢٩٥- ٢٩٦، ح ١٥٧٧٤.
[٣]. سورة محمّد، الآية ٣٨.
[٤]. نهج البلاغة، الحكمة ١٨٠.
[٥]. كنز العمال، ج ٦، ص ٢٩٦- ٢٩٧، ح ١٥٧٨٠.