موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٧ - ١ حرية النشاطات الاقتصاديّة المقترنة مع مقولة التكليف
الاقتصاد الرأسمالي، فإنّه مشمول لهذا الأصل أيضاً.
ح) اجتناب احتكار منابع الإنتاج، وتبيّن من بعض الأحكام والآداب في النظام الاقتصاد الإسلامي أنّه لا ينبغي تنظيم الظروف الاقتصاديّة بحيث إنّ الناشطين في مجال الاقتصاد يملكون الحرية إلى درجة أنّهم يحتكرون مصادر الإنتاج وعرض البضاعة والخدمات في السوق بمعنى حصر الإنتاج أو بيع البضاعة أو الخدمة في دائرة مركز أو فرد واحد، فاللازم أن يكون الإنتاج أو عرض البضاعة والخدمة في السوق يخضع للمنافسة السليمة في كلا الحقلين:
الإنتاج والعرض في السوق.
وما تقدّم سابقاً من مقولة «حرمة الاختيار» وكذلك حرمة «التلقي الركبان» و «بيع الحاضر للبادي» فهو في الحقيقة يتعلق بالتجار والكسبة الذين يردون احتكار السوق لمنفعتهم، وكما ورد في رواية في كتاب «دعائم الإسلام»، فيما يتصل بالاحتكار فإنّ جميع المنتوجات أو المحصولات الغذائيّة يقوم بعض الأشخاص بشرائها كلّها دفعة واحدة لحصر بيعها وعرضها في السوق لهم ويملكوا امتياز البيع بالنسبة لهذه المنتوجات:
«... وإنّما النهى من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله عن الحُكرة أنّ رجلًا من قريش يقال له حكيم بن مزاحم كان إذا دخل المدينة طعام، اشتراه كلّه فمرّ عليه النّبي صلى الله عليه و آله فقال له: يا حكيم إيّاك وأن تحتكر» [١].
ولا شك أنّه لو كان الإحتكار وحصر بيع البضاعة ممنوعاً ومذموماً، فبإلغاء هذه الخصوصيّة العرفية يمكن القول إنّ هذا الحكم يسري إلى مجال الخدمات أيضاً.
وأمّا في مجال الإنتاج وبتعبير أدق، التوزيع قبل الإنتاج الذي يعود إلى توزيع الثروات والمنابع الطبيعيّة، فنجد أنّ فقيهاً كصاحب الجواهر ينقل عن بعض المصادر الفقهية للإماميّة مثل كتاب الغنية، والخلاف والتذكرة بأنّ فقهاء الإماميّة متفقون على أنّ الأراضي العامرة التي وقعت بيد المسلمين في فتوحات الإسلاميّة هي ملك عام للمسلمين سواء الأشخاص الذين كانوا موجودين حين الفتح أو الأشخاص الذين سيأتون بعدهم على إمتداد التاريخ، ولا أحد من المسلمين يملك امتيازاً على المسلمين الآخرين، وبالتالي فلا يجوز لأيشخص منهم أن يملك رقبة هذه الأراضي ملكاً شخصياً [٢].
ومن فقهاء أهل السنّة كالماوردي عن مالك، «إمام المالكيّة» يرى بأنّ الأراضي المفتوحة حين الفتح وقف على جميع المسلمين بدون حاجة لإجراء صيغة الوقف من قِبل الحاكم الإسلامي فلا يجوز تقسيم هذه الأراضي بين المجاهدين في الجيش الإسلامي [٣].
وفي روايات أهل البيت عليهم السلام ما يدلّ بوضوح على
[١]. مستدرك الوسائل، ج ١٣، ص ٢٧٧، باب ٢٢ من أبواب آداب التجارة، وانظر: الكافي، ج ٥، ص ١٦٥.
[٢]. انظر: جواهرالكلام، ج ٢١، ص ١٥٧. ما ورد أعلاه يتعلق بزمان تكون فيها هذه الأراضي مواتاً، أمّا عندما يتمّ احياؤها بزراعتها أو بناء دار فيها فإنّ جماعة ذهبوا إلى جواز ملكيتها تبعاً لآثار الاحياء فإذا زالت الآثار رجعت إلى الملكيّة العامّة. (انظر: انوارالفقاهة، كتاب التجارة، ص ٦٤٣ فصاعداً).
[٣]. انظر: الأحكام السلطانية، ج ٢، ص ١٣٧.