موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٩ - ١ حرية النشاطات الاقتصاديّة المقترنة مع مقولة التكليف
ومن بين فقهاء أهل السنّة نرى أيضاً أنّ ابن قدامة في المغني يصرّح بأنّ الفقيه المعروف أحمد بن حنبل وطبقاً؛ لنقل جماعة عنه، وهذا الرأي هو مختار عامة أصحابه وكذلك مذهب ابن سيرين والشافعي وإسحاق بأنّ عقد المزارعة إنّما يقع صحيحاً فيما إذا كانت الأرض والبذور من طرف صاحب الأرض والعمل من ناحية الفلاح [١].
وهكذا في مسألة عقد المساقاة أيضاً، يعني يجب أن يكون العامل شريكاً لصاحب العمل في الثمار [٢].
وفي المضاربة أيضاً نرى فضلًا عن أنّ العامل لا يعدّ عاملًا عادياً في هذه المعاملة بل شريكاً في الربح الحاصل منها، وفيما إذا خسرت التجارة بدون التعدي وتفريط العامل، فالذي يتحمل هذا الضرر هو صاحب مال التجارة فقط، ولا يتحمل العامل قسطاً من هذا الضرر، بل يخسر عمله فلا يحصل على شيء من الاجرة في هذه المعاملة، وأساساً لا يجوز لصاحب مال التجارة أن يشرك العامل في هذه الخسارة، وفيما لو ألقى صاحب مال التجارة الخسارة على عهدة العامل فإنّ عقد المضاربة سيتبدل إلى قرض، وبالتالي فإنّ جميع الربح الحاصل من هذه التجارة يتعلق بالعامل وليس لصاحب مال التجارة حقّ فيه [٣]، كما ورد في حديث عن أميرالمؤمنين:
«من ضمن تاجراً فليس له إلّارأس ماله» [٤]
، وأيضاً ورد في حديث شريف عن هذا الإمام عليه السلام:
«من ضمن مضاربة فليس له إلّارأس المال وليس له من الربح شيء» [٥].
وطبيعي أنّ هذه العقود الثلاثة: المزارعة، المساقاة، المضاربة، إنّما تكون شاهداً للمدعى (مخالفة الإسلام لاستغلال البشر) فيما إذا كان دفع الاجرة للعاملين والمنتجين الكادحين من خلال عقد الإجارة مرجوحاً ومكروهاً، ومن حسن الصدف أنّ القضية تنحو هذا المنحى في النصوص الدينيّة، يعني أننا نرى في المصادر الروائية والفقهية باباً [٦] يقرر بصراحة كراهة الأجير لمثل هذه العقود، وهذا يحكي عن أنّ الإنسان في المجالات الاقتصاديّة لا ينبغي أن يعمل بشكل ينتفع من عمله وتعبه الآخرون:
يقول الإمام الصادق عليه السلام في ذم أخذ الاجرة على العمل في مثل هذه النشاطات الاقتصاديّة:
«من آجر نفسه فقد حظر عليها الرزق»
، ثمّ يقرر الإمام عليه السلام في تبرير هذا المنع ويقول:
«وكيف لا يحظر عليها الرزق وما أصابه فهو لربّ آجره» [٧].
واللافت أنّ صحيحة عمار الساباطي تؤكد على أنّه في صورة مساوة الأجر مع الربح من طريق التجارة فإنّ الإمام الصادق عليه السلام يرجح التجارة على
[١]. انظر: المغني، لابن قدامة، ج ٥، ص ٥٨٩.
[٢]. انظر: المبسوط، ج ٣، ص ٢٠٧؛ شرح اللمعة، ج ٤، ص ٣٠٩.
[٣]. انظر: المبسوط، ج ٣، ص ١٦٧.
[٤]. وسائل الشيعة، ج ١٩، ص ٢٢.
[٥]. المصدر السابق.
[٦]. «باب كراهة إجارة الإنسان نفسه»، انظر: وسائل الشيعة، ج ١٧، ص ٢٣٨.
[٧]. وسائل الشيعة، كتاب التجارة، باب ٦٦، ص ٢٣٨، ح ٤، ج ١٧.