موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٠ - ١ حرية النشاطات الاقتصاديّة المقترنة مع مقولة التكليف
الاجرة ويرى أنّ التعامل بالاجرة يتسبب في منع الرزق:
«قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: الرجل يتجّر فإن هو آجر نفسه أعطي ما يصيب في تجارته فقال: لا يؤاجر نفسه ولكن يسترزق اللَّه جلّ وعزّ ويتّجر فإنّه إذا آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق» [١].
وجدير بالذكر أنّ ما تقدّم بيانه في مورد الاجرة واكتساب الربح من خلال كلا الطريقين (طريقة الشراكة في المحصول وطريقة الاجرة) متوفرة ومفتوحة أمام العامل، ولكن إذا لم يكن له طريق سوى الاجرة فلا شك في رجحانها (بل وجوبها في صورة الحاجة)، وعلى هذا الأساس فإنّ عقد الإجارة بأن يؤجر الإنسان نفسه لغيره في عمل معين يعدّ عملًا محترماً في الروايات الإسلاميّة، وهكذا فيما إذا ترتبت على هذا العمل مصلحة أهم مثل التربية والتكامل النفساني لدى المستأجر [٢]، وربّما تكون هذه الغاية من هذا القبيل، كما ورد في القرآن الكريم كما ورد في سورة «القصص» في قصّة موسى وشعيب عليهما السلام:
«... أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ» [٣]
، ويقول المرحوم محمّد تقي المجلسي في شرح من لا يحضره الفقيه: «والظاهر أن إجارة موسى عليه السلام كان لأن يكون في خدمة شعيب عليه السلام ويضل بخدمته إلى أقصى مراتب الكمال» [٤].
أمّا الأحكام الاقتصاديّة الأخرى (اجتناب ركود منابع الإنتاج والاستهلاك غير العقلاني وغير السليم التي نراها في ثنايا الشريعة الإسلاميّة فإنّها تشير إلى أنّ هذه القيود المذكورة تعود إلى القيود في مجال الإنتاج والتجارة والقيود في مجال المالكيّة وحقّ التصرف الناشئة إمّا من عدم القدرة على حفظ الأموال وصرفها أو تجميد منابع الإنتاج، أو ما يتسبب في وجود خلل على مستوى العمل أو العقيدة، على سبيل المثال:
أ) يقرر الإسلام الحجر على الشخص في التصرف بأمواله بسبب السفه وعدم الرشد العقلاني بحيث لا يستطيع أن يتصرف في أمواله تصرفاً صحيحاً.
يقول القرآن الكريم:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً ...» [٥].
وفي ذيل الآية الشريفة وردت روايات عن أهل البيت عليهم السلام في تطبيق السفيه على شارب الخمر،
«عن الصادق عليه السلام: كلّ من يشرب الخمر فهو سفيه» [٦]
وكذلك الروايات الواردة من طرق الفريقين التي تقرر أنّ مصاديق السفيه هم الأطفال والنساء ممن لا يتحركون في سلوكياتهم من موقع العقلانية:
«عن الباقر عليه السلام:
فالسفهاء النساء والولد إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد، لم ينبغ له أن يسلط واحداً منهما على ماله الذي جعل اللَّه له قياماً» [٧].
يقول العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء: «وإنّ الفاسق إن كان ينفق ماله في المعاصي كشراء الخمور
[١]. المصدر السابق، ح ٣.
[٢]. انظر: المصدر السابق، ح ٢.
[٣]. سورة القصص، الآية ٢٧.
[٤]. شرح من لا يحضره الفقيه.
[٥]. سورة النساء، الآية ٥.
[٦]. مستدرك الوسائل، ج ١٤، ص ١٧.
[٧]. المصدر السابق، ج ١٣، ص ٢٤١؛ وانظر: در المنثور، ج ٢، ص ١٢٠.