موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤ - ١ قوام المجتمع
الإسلاميّة.
البحث الثالث: الوسيلة أم الهدف؟
البحث الأوّل: مكانة المال والثروة في نظر القرآن الكريم
١. قوام المجتمع
إنّ دقة وبلاغة التعبيرات القرآنيّة في المسائل الاقتصاديّة تشير إلى أنّ رؤية الدين للاقتصاد تمتاز بخصوصيّة وأولويّة خاصّة بحيث يستفاد من بعض الآيات الكريمة أنّ الأفراد والمجتمعات البشريّة يرتبطون فيمابينهم ويعتمدون على قدراتهم الاقتصاديّة بحيث إنّ قوام ودوام الأمور الفرديّة والاجتماعيّة يدور حول هذا المحور.
ونقرأ في سورة النساء قوله تعالى:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً» [١].
والنقطة الملفتة للنظر في هذه الآية وهي أنّ المال حتى لو كان من ملك السفيه نفسه، فما لم يصل إلى مرتبة الرشد الكامل فإنّ المجتمع له الحقّ في عدم اعطائه المال والثروة له بشكل مباشر، لأنّ جميع أفراد المجتمع في نظر الإسلام بمثابة أعضاء جسم واحد، بحيث إنّ مصلحة الفرد لا تنفصل عن منافع ومصالح الآخرين، كما أنّ الضرر الموجه لفرد معين لا ينفصل كذلك عن الإضرار بالمجتمع [٢].
ولعله لهذا السبب استبدلت الآية ضمير الغائب في قوله:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَهُمُ»
إلى ضمير المخاطب:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ».
وبالرغم من أنّ سياق هذه الآية والآيات التي تليها ناظر إلى اليتامى، ولكن من زاوية أخرى يمكن استفادة حكم كلي وعام أكثر من هذه الآية، وهو أن يقال إنّ الإنسان لا ينبغي في أي حال وفي أي مورد، أن يعطي الأموال التي تتعلق بالمجتمع بشكل عام، إلى الأشخاص الذين لا يعيشون الرشد العقلي الكافي ولا يملكون الإدارة اللازمة في التصرف بأموالهم، (وخاصّة مع الالتفات إلى أنّ الآية عبرت عن هذا المعنى بكلمة
«أَمْوَالَكُمُ»
لا «أَمْوَالَهُمُ» والذي يكون فيه الضمير يعود إلى الأيتام).
والشاهد على هذا المعنى ما ورد في الروايات الشريفة في تفسير هذه الآية عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، فقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّ رجلًا يدعى إبراهيم بن عبدالحميد قال: سألت الإمام عليه السلام عن هذه الآية:
«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ»،
قال:
«كلّ مَن شرب الخمر فهو سفيه» [٣].
ونقرأ في حديث آخر أيضاً أنّ شارب الخمر لا ينبغي اختياره أميناً على الأمور الماليّة [٤].
وفي رواية أخرى ورد النهي عن ايداع الأمول عند الأشخاص الذين لا يملك الإنسان الاعتماد الكامل
[١]. سورة النساء، الآية ٥.
[٢]. انظر: الميزان، ج ٤، ص ١٧٠؛ التفسير الأمثل، ج ٣، ص ٢٦٩--/ ٢٧٠؛ التفسير المنير، ج ٤، ص ٢٤٨؛ تفسير المنار، ذيل الآية مورد البحث، ج ٤، ص ٣٨٠. حيث قال في التعليل الثالث: التكافل في الأمّة واعتبار مصلحة كلّ فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين.
[٣]. وسائل الشيعة، ج ١٣، ص ٤٣٤.
[٤]. الكافي، ج ٥، ص ٢٩٩.