موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٩ - ٤ التقوى والورع
الباعث الإلهي، فقطعاً تستدعي هذه النظرة العادلة للمشاريع نمو ورشد إمكانات المجتمع أيضاً ولا تتنافى هذه الحركة مع التنمية، بل نحن نعتقد أنّ هذه الحركة ضرورية للوصول إلى المعايير المرسومة للتنمية الاقتصاديّة، لأنّ إجراء العدالة سينتهي من جهة إلى مشاركة الناس وخلق الباعث لهم على ذلك، وكذلك التقليل من النفقات الناشئة من حالات الظلم وعدم المساواة من جهة أخرى، والأهم من ذلك أنّها تتسبب في نزول البركات الإلهيّة والألطاف الربّانيّة على هذا المجتمع، وجميع هذه الأمور تعدّ من الأصول التطبيقيّة للوصول إلى الرشد والتنمية الاقتصاديّة في المجتمع.
٤. التقوى والورع
ينبغي على القائمين والمسؤولين عن مشروع التنمية أن يتمتعوا بحالة التقوى والورع لئلا يسقطوا في دوامة الرؤية الاحادية وطلب الدنيا والتعلق بالماديات وأن يجتنبوا الدوافع القومية والعنصرية وينظروا إلى أفراد المجتمع بعين واحدة وعادلة، ويتحركوا في تنفيذ مشاريع التنمية على أساس العدالة.
ومن هنا يقرر القرآن الكريم أنّ التقوى تتسبب في نزول بركات السماء:
«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» [١].
وحالات التقوى والورع تقلل من وقوعهم في الخطأ والزيغ:
«من زاد ورعه نقص إثمه» [٢]
، وتساهم في وصول مساعيهم إلى نتائج مثمرة:
«مع الورع يثمر العمل» [٣]
، والورع يعدّ سراجاً ومصباحاً للتوفيق والنجاح:
«الورع مصباح النجاح» [٤].
إنّ القيادة والزعامة في المجتمع في نظر الإسلام لا تصل إلّالمن تمتع بالورع والتقوى:
«لا تصلح الإمامة إلّالرجل فيه ثلاث خصال، ورع يحجزه عن معاصى اللَّه ...» [٥].
ويقول أميرالمؤمنين عليه السلام أيضاً في خطبه وكتبه في نهج البلاغة وفي توصياته وتعاليمه لعمّاله أن يجعلوا التقوى على رأس حركتهم وسياستهم، لأنّ الولاة لا يستطيعون التوصل إلى تحقيق الأهداف العالية للتنمية بدون حالات التقوى والورع.
يقول عليه السلام في كتابه ٢٦ بعد أنّ يأمر أحد ولاته بالتقوى وطاعة اللَّه:
«ومن لم يختلف سرّه وعلانيته، وفعله ومقالته فقد أدّى الأمانة».
وفي مورد آخر وعندما أرسل أحد عمّاله لجمع الزكاة، فإنّه أمره في البداية بتقوى اللَّه ثمّ حذّره من الظلم والجور:
«إنطلق على تقوى اللَّه وحده لا شريك له، ولا تروعنّ مسلماً ولا تجتازنّ عليه كارهاً، ولا تأخذنّ منه أكثر من حقّ اللَّه في ماله» [٦].
لأنّه لو إنعدمت حالة التقوى عند المسؤولين ووقعت الحكومة بيد الفاسدين والجاهلين، فإنّهم سيقومون بتقسيم الأموال والثروات فيما بينهم ويحرمون الناس منها:
«ولكنّني آسى أن يَليَ أمر هذه الامّة سفهاؤها وفجّارها فيتّخذوا مال اللَّه دولًا، وعباده خِولا» [٧].
ومن إفرازات عدم التقوى هذه أن يقوم المسؤولون على عمليّة التنمية الاقتصاديّة بالتضحية بالعدالة لحسب منافعهم الشخصيّة ومصالحهم الذاتيّة، ومن خلال دفع العمليّة الاقتصاديّة إلى جهة خاصّة يغفلون عن مصالح الطبقة المحرومة ويتسبب ذلك في
[١]. سوة الأعراف، الآية ٩٦.
[٢]. غرر الحكم، ح ٥٩٧٠.
[٣]. المصدر السابق.
[٤]. المصدر السابق.
[٥]. الكافي، ج ١، ص ٤٠٧، ح ٨ عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.
[٦]. نهج البلاغة، الكتاب ٢٥.
[٧]. المصدر السابق، الكتاب ٦٢.