موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٨ - آراء علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام
يسمى كنزاً لأنّه معفو عنه، فليكن ما أخرجت منه زكاة كذلك لأنّه عفى عن باخراج ما وجب عنه فلا يسمى كنزاً» [١].
ويقول هؤلاء الفقهاء من أهل السنّة في بيان وجه الجمع بين تلك الطائفتين من الروايات المختلفة:
الطائفة الاولى من الروايات تتعلق بالظروف العادية والتي يعيش فيه المجتمع في حالات جيدة ولا تواجهه مشكلة اقتصاديّة والناس يعيشون فيه حياتهم العادية، ففي هذه الصورة يكفي دفع الزكاة ولا يعتبر الباقي من الكنز.
ولكن الطائفة الثانية من الروايات ناظرة إلى الظروف الحساسة التي لا يكفي فيها دفع الزكاة في جواز الإكتناز وجمع المال، بل في مثل هذه الظروف يجب الحضور في الميدان بكلّ وجود الإنسان ويستثمر أمواله في مسار حفظ منافع المجتمع وحلّ مشكلاته.
وقصّة أبي ذر أيضاً ناظرة إلى هذه الحالة الاقتصاديّة الاستثنائيّة [٢].
آراء علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام:
رغم أنّ بعض كبار علماء هذه الطائفة وبالاتفاق مع علماء أهل السنّة، ذهبوا إلى أنّ آية الكنز ناظرة لتحريم منع الزكاة وفسّروا هذه الآية بمعنى «مال تؤدّي زكاته» [٣]، ولكنّ الكثير منهم ذهب إلى اختيار القول الثاني، وأنّ «كنز المال» يعني «مطلق تجميد المال» وبذلك رجحوا الطائفة الثانية من الروايات [٤].
ومن ذلك ما يستفاد من كلمات العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان أنّ اختار هذا القول أيضاً.
يقول العلّامة الطباطبائي، بعد أن قرر أنّ إدّخار النقدين يعني تعطيل دورهما في المعاملات والتجارات قال: «والآية إنّما نهى عن الكنز لهذه الخصيصة التي هي إيثار الكانز نفسه بالمال من غير حاجة إليه على سبيل اللَّه مع قيام الحاجة إليه، وناهيك أنّ الإسلام لا يحدّ أصل الملك من الكميّة بحدّ فلو كان لهذا الكانز أضعاف ما كنزه من الذهب والفضة ولم يتدخرها كنزاً بل وضعها في معرض الجريان يستفيد الوفاً الوفاً، ويقيد غيره ببيع أو شراء أو عمل وغير ذلك لم يتوجه إليه نهي ديني ...».
ويقول: « «ليس من البعيد أن يكون مطلقاً يشمل الإنفاق المندوب بالعناية التي مرّت فإنّ كنز الأموال
[١]. فتح البارى، ج ٢، ص ٢١٥، باب ما أدّى زكاته فليس بكنز.
[٢]. يقول «القرطبي» في تفسيره بعد نقل أقوال الطرفين في توجيه كلام أبي ذر أنّ الكنز ورد بشكل مطلق: «ويحتمل أن يكون محمل ما رُوي عن أبيذرّ في هذا، ما رُوي أنّ الآية نزلت في وقت شدّة الحاجة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله عن كفايتهم ولم يكن في بيت المال مايسعهم وكانت السنون الجوائج هاجمة عليهم، فنهوا عن إمساك شيء من المال إلّاعلى قدر الحاجة ولا يجوز إدّخار الذهب والفضّة في مثل ذلك الوقت. (تفسير القرطبي، ج ٨، ص ١٢٥).
[٣]. ومنهم العلّامة الخوئي في (كتاب الطهارة، ج ٤، ص ٣٢٣) بعدنقله آية الكنز يقول: فهو ناظر إلى تحريم منع الزكاة. وقوى صاحب التفسير الأمثل هذا القول مع شرائط وقيود.
[٤]. مثل المحقّق الأردبيلي في زبدة البيان، ص ١٨٠؛ والعلّامة الطباطبائي في الميزان، ج ٩، ص ٢٦٠- ٢٦٤ وكذلك الشيخ الطبرسي في مجمع البيان.