موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٤ - توزيع العوائد بين عناصر الإنتاج
النظام الرأسمالي تقرر مسألة التوزيع بعد مسألة الإنتاج، لأنّه ما لم يتمّ الإنتاج، فلا تصل النوبة للتوزيع في هذا النظام، وأمّا بحث تقسيم وتوزيع الثروات العامّة والإمكانات الطبيعيّة، كالأرض، المواد الأوليّة، المنابع الطبيعيّة فليس لها مكان في هذا النظام، لأنّ هذا النظام يقوم على أساس الحريّة الاقتصاديّة والمنافسة الحرة، وتكون المنابع الطبيعيّة والمواد الأوليّة عملًا في انحصار فئة قليلة من الأثرياء والمتمولين ولا يبقى مجال لعامّة الناس في المنافسة مع هؤلاء الأقوياء [١]، ولكن مسألة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي تطرح في موردين:
أ) التوزيع قبل الإنتاج؛ يعني التوزيع العادل للثروات الطبيعيّة والذي أوردناه في القسم الأوّل تحت عنوان «تقسيم المنابع».
ب) التوزيع بعد الإنتاج، يعني التوزيع العادل للعوائد الماليّة والأرباح الحاصلة من المنتجات [٢]، وعلى هذا الأساس فإنّ عمليّة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي لها فرعان أصليان:
الأوّل) توزيع وتخصيص المنابع الطبيعيّة والمواهب الإلهيّة بين أفراد المجتمع.
الثاني) توزيع وتعيين سهم كلّ واحد من عناصر الإنتاج من المحصول والمنتج.
وبما أنّ البحوث المتعلقة بتقسيم الثروات الطبيعيّة تحدّثنا عنه فيما سبق، فلذلك نتحدّث هنا عن القسم الثاني، يعني توزيع العوائد الماليّة بين عناصر الإنتاج:
توزيع العوائد بين عناصر الإنتاج:
كما رأينا في بحث الإنتاج أنّ عناصر الإنتاج عبارة عن: «القوى البشريّة، المنابع الطبيعيّة، رأس المال، أدوات الإنتاج»، والآن إذا أراد المنتج «العامل» أن يملك بنفسه الأرض ورأس المال أيضاً، فلا شك أنّ جميع العوائد الماليّة تعود إليه ولا يبقى مجال لتقسيم العوائد بين عناصر الإنتاج «الأرض ورأس المال» ولكن إذا كان العامل والمنتج، غير صاحب الأرض ورأس المال، فإنّ كلّ واحد من النظم الاقتصاديّة وعلى أساس مبانيه النظريّة له رؤية خاصّة في تقسيم وتوزيع تلك العوائد الماليّة بين عناصر الإنتاج.
وعلى أساس النظام الاقتصادي الرأسمالي فإنّ الأصل الحاكم في هذا النظام أن يستلم العامل «العامل الأصلي للانتاج» اجرته وليس له سهم في المنتوجات نفسها، وطبعاً فإنّ تعيين مقدار الأجر أيضاً بيد صاحب المال، ولكن في الإسلام وبما أنّ شخصيّة الإنسان «العامل» تعتبر أعلى وأسمى من مجرّد أدوات الإنتاج ورأس المال، ولذلك فإنّ العامل بوصفه العنصر الأساس في الإنتاج يستطيع وفق ضوابط ومقررات شرعية أن يكون سهيماً في هذه المنتوجات وله حصّة منها.
وعلى أساس هذا التفاوت النظري، والذي هو خلاف النظم الاقتصاديّة السائدة في العالم، نرى أنّ الفقهاء ذكروا أبواباً في النظام الاقتصادي الإسلامي من قبيل: «المزارعة»، و «المضاربة» و «المساقاة».
[١]. انظر: اقتصادنا، ص ٤١٣.
[٢]. انظر: المصدر السابق، ص ٤١١-/ ٤١٤.