موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٨ - أ) تكوين الثقافة (إصلاح الرؤية)
الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» [١]
، وأفضليّة الإسلام ومكانة المسلمين:
«الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه» [٢]
، فمن الطبيعي أن يؤكد الإسلام على ضرورة إنتاج أنواع الصناعات الماديّة والفيزيائيّة من جهة، وتربية القوى المتخصصة البشريّة والتسلح بآخر المعطيات العلميّة والمكتسبات البشريّة من جهة أخرى، وجعلها على رأس أولويات التعاليم الدينيّة لهذا الدين السماوي، ومن هذه الجهة نرى أنّه بعد ظهور الإسلام وفي ظلّ تعاليماته السماويّة، فإنّ الحضارة الإسلاميّة العظيمة إزدهرت بشكل سريع وإمتدت في دائرة جغرافيّة واسعة في ذلك العصر.
إنّ الإسلام ولغرض تحقق هذا الهدف، استخدم طريقاً وأساليب متنوعة منها:
أ) تكوين الثقافة (إصلاح الرؤية)
إنّ الإسلام ومن خلال إشاعة ثقافة الإنتاج والعمل وتأكيده على القيمة المعنويّة للنشاطات الاقتصاديّة عمل على بناء أساس قوي وقاعدة فكريّة متماسكة في موضوع العمل والإنتاج بحيث إنّ العمل والإنتاج» أضحى أحد العبادات المهمّة في الإسلام [٣]، أنّ كرامة الإنسان ومقامه عند اللَّه يرتبط بعمله [٤]، كما ورد في الأحاديث الشريفة، وأنّ سعيه لغرض الإنتاج والعمل الاقتصادي بمثابة الجهاد في سبيل اللَّه تعالى [٥]، وأخيراً نفرأ في الأحاديث الشريفة كما نقل ابن الأثير في اسد الغابة أنّ نبي الإسلام صلى الله عليه و آله بعد ما قبّل يد العامل قال:
«هذه يدٌ لا تمسّها النار» [٦].
وفي دائرة هذه الثقافة، فالأفراد العاطلين عن العمل يعتبرون كَلّاً على المجتمع، ومضافاً إلى سقوطهم المعنوي، وتزلزل مكانتهم الاجتماعيّة، فإنّهم يعيشون بعيداً عن رحمة اللَّه تعالى [٧].
إنّ النشاطات الاقتصاديّة في مجالانعكست بوضوح في سيرة أولياء الدين وفي ملامح التاريخ الإسلامي، وهذه السيرة التاريخيّة في مجال العمل والإنتاج كان لها دور مهم في تقوية وتشكيل هذه الرؤية، ونرى أنّ الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام عندما كان يفرغ من أمر الجهاد وتعليم الناس والقضاء فإنّه يتوجّه للعمل في الزراعة والبستنة وحفر القنوات والأبار.
ونقرأ في سيرة الأئمّة المعصومين عليهم السلام فيما يتصل بالعمل والإنتاج، تصويراً واضحاً لمكانة الإنتاج في دائرة الثقافة الإسلاميّة والتي وفرت القاعدة الفكريّة والثقافية المناسبة في المجتمع فيما يتصل بأمر الإنتاج
[١]. سورة النساء، الآية ١٤١.
[٢]. شرح مسلم للنووي، ج ١١، ص ٥٢؛ فتح الباري، ج ٩، ص ٣٧٠؛ عوالي اللئالي، ج ١، ص ٢٢٦.
[٣]. انظر: مسند أحمد، ج ٣، ص ١٤٧؛ صحيح البخاري، ج ٣، ص ٦٦؛ مستدرك الوسائل، ج ١٣، ص ٤٦٠.
[٤]. يقول الإمام الكاظم عليه السلام: «إن اللَّه ليبغض العبد الفارغ» (من لايحضره الفقيه، ج ٣، ص ١٦٩، ح ٣٦٣٥).
[٥]. يقول الإمام الصادق عليه السلام: «الكادّ على عياله كالمجاهد فيسبيل اللَّه» (الكافي، ج ٥، ص ٨٨).
[٦]. اسد الغابة، ج ٢، ص ٢٦٩.
[٧]. انظر: الكافي، ج ٤، ص ١٢ و ج ٥، ص ٧٢ فصاعداً. ونقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «لا تكسل عن معيشتك فتكون كَلّاً على غيرك». (الكافي، ج ٥، ص ٨٦) وكذلك عنه ٧: «إنّ اللَّه يُبغض كثرة النوم وكثرة الفراغ». (الكافي، ج ٥، ص ٨٤).