موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٨ - الثاني وجود الإمكانات المتناسبة؛
مخارج لإدارة حياته بحيث لا يوجد لدى الأفراد الآخرين مثل هذه النفقات ولا يشعرون بالحاجة إليها، فمثل هذه الحالة تستدعي الفقر النسبي، مثلًا الشاب الذي يحتاج إلى زواج وبالتالي يستدعي ذلك نفقات معينة، فإذا كان فاقداً لمثل هذه النفقات فإنّه يعدّ فقيراً، ورغم أنّ الأشخاص الآخرين أيضاً يفقدون مثل هذه النفقات ولكن بما أنّهم لا يحتاجون إلى الزواج فإنّهم لا يعتبرون فقراء.
البحث الثاني: عوامل وأسباب الفقر في المجتمع البشري
إنّ اللَّه تبارك وتعالى جعل من النعم الماديّة والمعنويّة في الأرض بقدر كفاية جميع أفراد البشر، بل بمقدار حاجة جميع الحيوانات والنباتات وسائر الموجودات الأخرى، ولكن هذه المنابع محدودة وليست لا متناهية، إذن فالبشر هم الذين يجب عليهم رعاية العدل والانصاف في عمليّة الاستفادة من هذه النعم والمواهب الإلهيّة وأن يرضوا بحقّهم ولا يعتدوا على حقوق الآخرين.
إنّ رشد ورقي الإنسان يرتبط بأمرين: وجود المواهب والنعم الإلهيّة بقدر الكفاية، وتوفر الظروف والإمكانات المتناسبة:
الأوّل: وفور الإمكانات والمواهب الإلهيّة؛
وهذه المواهب وضعها اللَّه تعالى في اختيار جميع أفراد البشر، بل جميع الموجودات:
«هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعاً ...» [١].
الثاني: وجود الإمكانات المتناسبة؛
فيجب على أفراد البشر توفير حالة المتناسبة لأنفسهم، ولغرض توفير هذه الحالة المتناسبة لابدّ من الاستعانة والاستمداد بالآخرين.
إنّ أصل وأساس البحث في عوامل الفقر يرتبط بهذين الأمرين، وفي كلّ واحد من هذين الأمرين، مذاهب فلسفية ومدارس اقتصاديّة معاصرة لها آراءها الخاصّة في هذا المجال.
فجماعة ذهبوا إلى إنكار الأمر الأوّل وقالوا: إنّ مسألة الفقر (وأساساً المشكلات الاقتصاديّة) ناشئة من قلّة المواد الأوليّة ومحدودية مصادر الإنتاج، وببيان آخر: إنّ حاجات البشر غير محدودة، ومصادر الإنتاج محدودة، أي أنّ عدم التوازن بين العرض والطلب يستلزم الوقوع في هوة الفقر والجوع والمشاكل الاقتصاديّة التي لا تنحل أبداً ويمكن اعتبارها من الضرورات الاجتماعيّة وبالتالي فإنّ حالة الحرمان والفقر لا تنفصل أبداً عن حياة البشر.
نقد وتحقيق:
إنّ نظام عالم التكوين في الرؤية الإسلاميّة منسجم ومتسق إلى درجة أنّه لو تحرك البشر في الاستفادة من المنابع الأوليّة في عالم الطبيعة والتكوين، ومن موقع رعاية النظام التشريعي الإلهي وقاموا بالعمل بأحكام وقوانين الإسلام، فسوف لا يواجهون في أي عصر مشكلة اقتصاديّة وأزمات ناشئة من حالات الفقر.
ويقرر القرآن الكريم في هذا المجال هذه الحقيقة بتعبيرات مختلفة ويستفاد من مجموعها أنّ المائدة الإلهيّة الواسعة لا تواجه أي ندرة وقلّة في الموارد:
١.
«أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ...» [٢].
[١]. سورة البقرة، الآية ٢٩.
[٢]. سورة لقمان، الآية ٢٠. والملفت أنّ في ذيل هذه الإية جملة يظهر منها أنّها تجيب على أسئلة أنصار الرأسماليّة: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدىً وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ» وعلى هذا الأساس أنّ قلّة المواد الأوليّة في الطبيعة ليست سوى أوهام لا تستند إلى دليل علمي أبداً.