موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٢ - ٦ عمران وإحياء الأرض
الماليّة والماديّة فإنّها لا تلبث إلّاقليلًا
«ولم يستقم أمره إلّاقليلًا».
وعلى أية حال يستفاد من بيان آخر لأميرالمؤمنين في هذا الكتاب المزبور أنّ المحور في النظام الاقتصادي هو العمران، يقول عليه السلام:
«فإنّ العمران محتمل ما حَمَّلْتَه».
والنقطة الجدير بالذكر هنا والتي ينبغي الاهتمام بها بشكل خاص هي كيفية عمران الأرض وإحيائها، وببيان آخر ما هي الأسباب والعوامل التي تؤدّي إلى خراب الأرض وبالتالي يتحرك العاملون والناشطون الاقتصاديون في الدولة على مستوى رفعها وحلّها؟
وهذا السؤال أيضاً طرحه أميرالمؤمنين عليه السلام في رسالته لمالك الأشتر وأجاب عنه:
«وإنّما يُؤتى خراب الأرض من إعْواز أهلها وإنّما يَعُوز أهلُها لإشراف أنْفس الولاة على الجمع وسوء ظنّهم بالبقاء وقلّة انتفاعهم بالعبر».
«إنّ المسائل الاجتماعيّة والحوادث التي تعصف بالدول والبلدان تخضع كلّها لقاعدة العلّة والمعلول، فعندما لا يعيش الولاة الأمل والحيوية بسبب قلّة خبرتهم أو ظلمهم للناس، ولا ينتفعون من تجارب الامم السابقة في مجال الإدارة الصحيحة للحكومة فإنّهم سيعيشون الإرتباك والقلق ويفكرون بجمع الأموال والثروات وأحياناً يخفونها في أمكان بعيدة أو قريبة وأحياناً أخرى يدفعونها إلى بعض أرحامهم وأقاربهم أو يرسلونها إلى الخارج فيما لو توفر لهم محل مطمئن لذلك، وهذا الأمر يؤدّي بدوره إلى مزيد الخراب والفساد في الأراضي والمنابع الاقتصاديّة، وتسود حالات الفقر والعوز، وتتزلزل أركان الحكومة وتضعف سيطرتها وقدرتها، والتجارب تشير إلى أنّ مثل هؤلاء الولاة قلّما يستطيعون الانتفاع من الأموال التي جمعوها، وقد رأينا وسمعنا نماذج كثيرة من مثل هؤلاء الملوك والحكّام حتى في عصرنا الحاضر» [١].
وهذه النقطة جديرة بالالتفات أيضاً، وهي أنّ الكثير من البرامج العمرانيّة تستدعي زماناً طويلًا نسبيّاً، وعندما لا يكون للزعماء السياسيين أمل ببقائهم في مسند السلطة والحكومة فإنّهم لا يهتمون بمثل هذه المشاريع العمرانية، وطبعاً فإنّ تلك المشاريع ستواجه التعطيل والركود وبالتالي سيادة الفقر والحرمان في فضاء المجتمع وخاصّة على الطبقة المحرومة والفقيرة.
وآخر نقطة في هذا الصدد ما ورد في كلام آخر لأميرالمؤمنين عليه السلام، في بيان المعيار الأتم والفضيلة الأكمل للحاكم والتي تتمثّل في عمار البلاد:
«فضيلة السلطان عمارة البلاد» [٢]
، وعندما وصل للإمام عليه السلام خبر بأنّ بعض أهل الذمة يشكون في داخل دائرة حكومته من نقص فيما يتصل بإعمار بعض الأنهر، فكتب الإمام عليه السلام كتاباً إلى واليه على تلك المنطقة قرظة بن كعب الأنصاري يقول فيه:
«أمّا بعد، فإنّ رجلًا من أهل الذمّة من عملك ذكروا نهراً في أرضهم قد عفا وادّفن وفيه لهم عمارة على المسلمين، فانظر أنت وهم ثمّ
[١]. انظر نفحات الولاية، ج ١١، الكتاب ٥٣.
[٢]. غرر الحكم، ص ٣٤١، ح ٧٨١٠.