موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٦ - نقد وتحقيق
والمودة ستنتهي بين الناس وبالتالي سيتعرض تعاونهم وتعاطفهم مع الحكومة للتزلزل والوهن، ونتيجة ذلك أنّ المسؤولين سوف يواجهون الإخفاق في تنفيذ مشاريع التنمية الاقتصاديّة، كما ورد في تعبير آخر عن فاطمة الزهراء عليها السلام:
«والعدل تنسيقاً للقلوب» [١]
وأساساً في تقوية العلاقات الاجتماعيّة في جو المجتمع.
ويقول أميرالمؤمنين عليه السلام أيضاً في عبارة عميقة المعنى:
«إنّ أفضل قُرّة عين الولاة إستقامة العدل في البلاد، وظهور مودّة الرعيّة» [٢].
ثالثاً: ومع إلغاء العدالة وإهمالها، فحتى لو توصلنا إلى زيادة ورشد التنمية الاقتصاديّة في المجتمع، فإنّ الأقسام الأخرى للتنمية، وخاصة الثقافيّة، الأخلاق والمعنويّة، ستتعرض قطعاً للضرر والإرباك، لأنّ الاهتمام بالتنمية (بدون العدالة) يتسبب في زيادة الضغوط على الشريحة الضعيفة والمحرومة في المجتمع، وطبيعي في مثل هذا الجو فإنّ التوجه والتحرك نحو الأمور غير القانونية واكتساب العوائد غير المشروعة لتأمين نفقات الحياة لطائفة من الناس سيكون حتمياً، ويترتب على ذلك عدم تأثير البرامج المعنويّة والأخلاقيّة:
«كاد الفقر أن يكون كفراً» [٣]
وتعرض دين الناس وإيمانهم إلى الخلل والاضطراب:
«يا بنيّ إنّي أخاف عليك الفقر ... إنّ الفقر منقصة للدّين ومدهشة للعقل» [٤]
، وفي كلّ هذه الموارد تستلزم نفقات كثيرة على كاهل الحكومة ويجب أن تتحرك الحكومة في هذا الحال إلى تقوية القوى الأمنية وأجهزة الشرطة، تقوية المراكز الصحية والنفسية وأمثال ذلك لمواجهة هذه الحالات المرَضيّة والمنحرفة، وهكذا تؤثر هذه الأمور تأثيراً سلبياً في طول المدّة على التنمية الاقتصاديّة.
رابعاً: نحن نعتقد أنّ الاهتمام بإقامة العدل والاهتمام بالمحرومين يتسبب في مزيد من اللطف الإلهي والرعاية الربانية، وهذا بدوره يستتبع بركات كثيرة على الناس في مجال حلّ مشكلاتهم وزيادة التنمية والرفاه في فضاء المجتمع، يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«إنّ النّاس يستغنون إذا عُدل بينهم، وتنزل السّماء رزقها، وتخرج الأرض بركتها بإذن اللَّه» [٥]
، وأنّ الظلم والجور على طائفة من الناس حتى لو كان بدافع الرشد الاقتصادي، فإنّه يتسبب في زوال البركات الإلهيّة:
«بالظلم تزول النِّعم» [٦].
وقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً:
«إذا جارت الولاة قحطت السماء» [٧]
، ويقول في حديث آخر مخاطباً معاذ بن جبل ويحذره من دعوة المظلوم:
«واتّق دعوة المظلوم فإنّها ليس بينها وبين اللَّه حجاب» [٨].
خامساً: إنّ البلدان المتقدمة والتي جعلت التنمية أصلًا وأساساً في بداية حركتها الاقتصاديّة لتصل إلى إقامة العدل لم تتمكن من التوزيع العادل للثروة لجميع فئات الناس وبالتالي انحصرت الثروات العظيمة بيد فئة قليلة وعدّة معدودة من أفراد المجتمع، وترتب على ذلك ظهور إستثمار واستغلال من نوع جديد زاد من حدّة الطبقية والفاصلة بين الفئات الاجتماعيّة، لأنّ تكديس الثروة والحرص والطمع ليست حالة يمكن ازالتها بسهولة من قلوب الأثرياء حتى يمكن القول إنّه بعد الوصول إلى حالة من الرشد والتنمية فإنّه من
[١]. بحار الأنوار، ج ٢٩، ص ٢٢٣.
[٢]. نهج البلاغة، الكتاب ٥٣. ولمزيد من الاطلاع على أهميّة العدل في الإسلام ودوره في العمران ورشد المجتمع انظر: مستقبل علم الاقتصاد من منظور الإسلامي، الدكتور محمّد عمر بپرا، ترجمة الدكتور رفيق يونس المصري، ص ١٠٧- ١١٠.
[٣]. الخصال للصدوق، ج ١، ص ١١؛ كنز العمال، ج ٦، ص ٤٩٢، ح ١٦٦٨٢ عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله.
[٤]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٣١٩ عن الإمام علي عليه السلام.
[٥]. الكافي، ج ٣، ص ٥٦٨، ح ٦.
[٦]. غرر الحكم، ح ١٠٤١٣.
[٧]. الكامل، عبداللَّه بن عدي، ج ٣، ص ٣٦١.
[٨]. صحيح البخاري، ج ٣، ص ٩٩؛ مسند أحمد، ج ١، ص ٢٣٣.