موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٣ - نظرة على تاريخ الحسبة في الإسلام
عمر بن الخطاب) [١].
وفي كثير من المواضع، كان النّبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله يتولى ذلك بنفسه، خاصة في مسائل الإحتكار والغش والتدليس في المعاملة وأمثال ذلك.
ونقرأ أيضاً في أحوال الإمام عليّ عليه السلام أنّه كان يتولى بنفسه الأُمور المرتبطة بالحسبة، فكان أحياناً يمرُّ في سوق القصابين وينهاهم عن المخالفة [٢].
وكان عليه السلام يمرَّ تارة في سوق السّماكين وينهاهم عن بيع الأسماك المحرّمة [٣].
ولكن، وبمرور الزّمان، اتسعت مسألة «الحسبة» واتّخذت تدريجيّاً صورة دائرة مهمّة من دوائر الدولة الإسلاميّة، فكان المأمورون باسم «المحتسبين» يدورون في الأزقة والأسواق والشّوارع الكبيرة ليل نهار ويراقبون الأمور الاجتماعيّة المختلفة، فيعاقبون المخالفين في محل إرتكاب المخالفة أحياناً، وأحياناً أخرى يأخذونهم إلى القاضي (كما في شرطة المرور هذه الأيّام).
وأتّسعت دائرة «الحسبة» إلى درجة أنّ «جرجي زيدان» المؤرخ المعروف ذكر في كتابه «تاريخ الحضارة الإسلاميّة» يقول:
«الحسبة»: وهي إحدى المناصب الإسلاميّة، شأنها شأن منصب القضاء وللمحتسب حقّ ردع الناس عن القيام بالمنكرات، وله حقّ الإشراف على التعزير والتأديب، وأمر الناس بضرورة رعاية المصالح في المؤن، ومنعهم من الوقوف في الطرقات، ومراقبة شؤون النقل، ومنع أصحاب السفن من تحميل السفينة أكثر من طاقتها، وذلك حفاظاً على أموال وأرواح الناس، ويأمر بإقامة وتعديل الجدران المشرفة على السقوط وكل شيء من شأنه تعريض المارة للخطر، وكل شيء يلحق بهم الضرر، ويمنع الغش والتدليس في الكسب والعمل، ويأمر بمراعاة المكيال والميزان والإشراف على منع كلّ ما من شأنه أن يلحق الأذى والإجحاف بالناس.
وكل ما ذكر هو مسؤوليات القاضي، ولكن لكون القاضي لا يستطيع ممارسة كلّ هذه الأعمال بشكل عملي، لذا فُصلت هذه المسؤوليّة من مهامه، وأصبحت مستقلة.
المتصدي لهذا المنصب أو المسؤول يجب أن يكون فرداً صالحاً ومن ذوي الوجاهة، لأنّ هذه المسؤوليّة تمثل خدمة دينيّة «ومن دون هذه الوجاهة لا يمكنه القيام بهذه المسؤوليّة».
ورئيس امور الحسبة يقوم بتعيين ممثلين عنه في كافة المناطق ويستطيع أن يجلس كلّ يوم في أحد المساجد المهمّة، ويقوم مُمثِّلوه بممارسة الأعمال المختلفة الملقاة على عاتقهم في الإشراف على المشاغل المختلفة والسوق.
وفي مصر كان رئيس امور الحسبة يجلس يوماً في مسجد القاهرة ويوماً في مسجد الفسطاط، ويرسل ممثليه إلى الشوارع والأزقة لكي يقوموا بالإشراف على وضع اللحوم ومراكز الطبخ والأغذية، وكذلك
[١]. المصدر السابق.
[٢]. كنز العمال، ج ٤، ص ١٥٨.
[٣]. وسائل الشيعة، ج ١٦، ص ٣٣٢.