موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١١ - ٣ الأهداف وأولويات الإنتاج
كلا البعدين، المادي والروحي، في الإنسان في تعاليمه وأحكامه السماوية، وبكلمة: إنّ الإسلام جعل الأهداف الماديّة في طول الهدف المعنوي وهو القرب الإلهي.
وعلى ضوء ذلك فإنّ العمل الذي يدفع الإنسان بعيداً عن اللَّه تعالى وعن المعنويات، لا محلّ له من الإعراب في هذا النظام الاقتصادي، كما أنّ النشاطات الاقتصاديّة بدون ربح مشروع أيضاً لا مكان لها في هذا النظام [١].
وفي هذه الرؤية فإنّ المولد والمنتج الحقيقي هو اللَّه تعالى:
«أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ» [٢].
والإنسان في هذه الرؤية القرآنيّة يعتبر عاملًا على تهيئة مقدمات الإنتاج لا أنّه هو المنتج والموجد لها، وبذلك فالإنسان المؤمن يتوجّه دوماً إلى المنتج الحقيقي ويتحرك في طريق نيل رضا وتحصيل مرتبة القرب منه ولذلك، فإنّ الهدف من الإنتاج في هذا المذهب الاقتصادي، مضافاً إلى تأمين الحاجات الشخصيّة للفرد والمجتمع، والوصول وتحصيل حياة يعيش فيها الإنسان في الدنيا بشرف وكرامة، فإنّه يسعى لتحصيل رحمة اللَّه تعالى اللامتناهية في العالم الآخر.
يقول القرآن الكريم في هذا الصدد:
«وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا» [٣].
ومن هنا فإنّ القرآن الكريم يرغب البشر في ذيل الآيات التي تستعرض عناصر الإنتاج ويقول بجملة:
«لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»
، فيشير إلى هذا الهدف النهائي من الحركة الاقتصاديّة للإنسان المؤمن، كما نقرأ أيضاً:
«اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [٤].
وبديهي أنّ الالتفات إلى هذا الهدف السامي، ليس فقط يؤثر إيجاباً على حياة الإنسان الاخرويّة بل من شأنه إحداث تغيير جذري في حياته الدنيويّة أيضاً، لأنّ الشخص الذي يتحرك في نشاطاته الاقتصاديّة من موقع هذه الرؤية فإنّه لا يتحرك أبداً على مستوى تحصيل الأرباح الكبيرة الناشئة من إنتاج وتوزيع الأسلحة الفتاكة والمواد المضرة بصحة الإنسان وبحياته وبالتالي فإنّ مثل هذا الاقتصاد سيرتدي سربال الإنسانيّة والسلامة كما سيأتي تفصيل الكلام فيه.
وجدير بالذكر أنّ مرتبة «القرب الإلهي» وإن كانت هي الهدف النهائي من الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي ولكن هذا الهدف لا ينفي أو يتقاطع مع الأهداف المتوسطة الأخرى، بل إنّ تلك الأهداف المتوسطة تعتبر نوعاً من المقدّمة للوصول إلى هذا الهدف النهائي، بل إنّ الإسلام يرى أنّ الإنتاج حتى لو كان بدوافع ماديّة وبدون النظر إلى الهدف النهائي «القرب الإلهي» مباح وغير محرّم في دائرة النشاطات
[١]. انظر: معالم التنمية الاقتصاديّة في الرؤية الإسلاميّة (شاخصهاى توسعه اقتصادى از ديدگاه اسلام) بالفارسيّة، ص ١٠٠- ١٠١.
[٢]. سورة الواقعة، الآية ٦٤.
[٣]. سورة القصص، الآية ٧٧.
[٤]. جاثيه، آيه ١٢.