موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٦ - ٥ سيادة القيم المعنويّة والأخلاقيّة
تحت عنوان «حفظ كرامة الإنسان و عزّته النفسانية»، وتقدّم بيان نقاط مهمّة في هذا المجال، ولكن ممّا لا شك فيه أنّ هذا المعنى يعدّ من الأهداف أيضاً، يعني أنّ الإسلام والحكومة الإسلاميّة يريدان من إقامة النظام الاقتصادي، تحكيم السيادة المعنويّة والقيم الأخلاقيّة في ثقافة المجتمع الإسلامي.
وقد أمر القرآن الكريم بالابتعاد عن القذارات والخبائث الظاهرية والباطنية في الأطعمة وأكد على مقولات من قبيل «الطيّبات» و «حلالًا طيّباً» إلى جانب دعوته للشكر:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» [١]
أو في توصيته الأكيدة بعدم اتباع الشيطان في هذا المجال:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» [٢]
واجتناب الفساد في الأرض:
«كُلُوا وَاشْرَبُوا
مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» [٣]
أو توصياته بتقوى اللَّه تعالى في مسألة الأطعمة:
«وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» [٤]
وفي مورد آخر أمر اللَّه تعالى إلى جانب الاستفادة من نعم اللَّه ومواهبه بدفع الحقوق الماليّة واجتناب الإسراف:
«... كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَايُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» [٥]
أو «أكل من الطيّبات» إلى جانب «العمل الصالح» حيث تخاطب الآية الكريمة جميع الأنبياء عليهم السلام:
«يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ» [٦].
وعندما يريد القرآن الكريم تصوير النظام الاقتصادي المزدهر لقوم سبأ، فإنّه أولًا: يقرر التوجه إلى التقدم الاقتصادي بوصفه المظهر الوحيد للتطور المادي في مجال «السكن» ويذكر مساكنهم بوصفها آية كبيرة من آيات اللَّه تعالى، لأنّهم بقيامهم ببناء السدود استطاعوا إعاقة السيول المخربة وبالتالي ساهم ذلك في إعمار بلادهم وإزدهار اقتصادهم:
«لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ» [٧].
ثانياً: أنّه طالبهم بمقولة «الشكر» كقيمة معنويّة إلى جانب الاستفادة الماديّة والدنيويّة لمواهب اللَّه تعالى:
«كُلُوا مِنْ رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ» [٨].
ثالثاً: يتحدّث عن عمران مدنهم بعبارة «بلدة طيّبة» التي إزدهر في فضائها قيم الشكر وسيادة المعايير الدينيّة والأخلاقيّة، وربّما يندرج في ضمن هذه القيم غفران اللَّه تعالى، تقول الآية:
«بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ» [٩].
رابعاً: يتحدّث القرآن الكريم عن إفرازات كفران النعمة الوخيمة والعقوبة الناتجة من عدم اهتمام بالطبقة المحرومة التي عادت عليهم بالوبال والخرب، فتقول الآية إنّهم بسبب غفلتهم عن اللَّه تعالى ونسيانهم القيم
[١]. سورة البقرة، الآية ١٧٢.
[٢]. سورة البقرة، الآية ١٦٨.
[٣]. سورة البقرة، الآية ٦٠.
[٤]. سورة المائدة، الآية ٨٨.
[٥]. سورة الأنعام، الآية ١٤١.
[٦]. سورة المؤمنون، الآية ٥١.
[٧]. سورة سبأ، الآية ١٥.
[٨]. سورة سبأ، الآية ١٥.
[٩]. سورة سبأ، الآية ١٥.