موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٢ - ١ حرية النشاطات الاقتصاديّة المقترنة مع مقولة التكليف
عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض» [١].
وهذا المعنى ورد الحديث عنه بتعبيرين:
«دعوا الناس في غفلاتهم يرزق اللَّه بعضهم من بعض» [٢] و
«ذروا الناس في غفلاتهم يعيش بعضهم مع بعض» [٣].
وشأن صدور هذه العبارات، وإن كانت ناظرة إلى الوسائط في عمليّة التجارة (/ تلقّي الركبان) وكذلك الوسائط أو الدلاليين فيما يتصل بالمحصولات الزراعيّة (بيع الحاضر للبادي)؛ ولكنها بالاصطلاح الفقهي أن «المورد، لا يخصّص الوارد» وخصوصيّة شأن الصدور بمورد خاص لا تلغي كليّة وكبروية هذا البيان.
وما نشاهده في الروايات الإسلاميّة وفتاوى غالبية الفقهاء الإماميّة يدلّ بوضوح على هذه الحرية، لأنّ هذه الروايات والفتاوى تقرر أنّ تعيين الأسعار بعهدة البائع، وحتى في مورد الإحتكار فإنّ المحتكر الذي يجبر على إخراج بضاعته التي يحتاج إليها الناس من المخزن ليبيعها عليهم فإنّه لا يجبر على التسعير.
ويروي الشيخ الطوسي بسند معتبر عن عبداللَّه بن منصور عن أبي عبداللَّه (الإمام الصادق عليه السلام) قال:
«نفد الطعام على عهد رسول اللَّه فأتى المسلمون فقال:
يارسول اللَّه فقد نفد الطعام ولم يبق شيء إلّاعند فلان فمره يبيع. قال: حمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال: يا فلان إنّ المسلمين ذكروا أنّ الطعام قد فقدوا الأشياء عندك فأخرجه وبِعْه كيف شئت ولا تحبسْه» [٤].
وفي رواية معتبرة أخرى أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله عندما اقترح عليه البعض تسعير البضاعة وقال:
«فغضب حتى عرف الغضب في وجهه فقال: أنا أقوّم عليهم إنّما السعر الى اللَّه تعالى يرفعه إذا شاء ويخفضه إذا شاء»
. ويشبه هذا المضمون ما ورد في روايات أهل السنّة [٥] في بحث «التسعير» في مجال (المكاسب المحرمة) التي سيأتي الحديث عنها في الأجزاء اللاحقة من هذا الكتاب، وعلى أساس الروايات المذكورة فإنّ غالبية فقهاء الإماميّة والشافعيّة من فقهاء أهل السنّة، لا يرون جواز التسعير إلّاإذا أدّى إلى الإجحاف والإضرار [٦].
وممّا تقدّم يتبيّن فرعين من فروع الحرية الاقتصاديّة، يعني «الحرية في المبادلة والمعاملة» و «الحرية في التسعير»، ويستفاد أصل الحرية في المبادلة والمعاملة من بعض آيات القرآن الكريم أيضاً وذلك عندما ينهى القرآن عن بعض التصرفات الاقتصاديّة الباطلة ويقرر أنّ الطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق إحراز طيب الخاطر والرضا القلبي
[١]. انظر: كتاب الأم الشافعي، ج ٣، ص ٩٢؛ مختصر المزني، إسماعيل المزني الشافعي، المتوفي ٢٦٤، ص ٨٨؛ وسائل الشيعة، ج ١٧، ص ٤٤٥.
[٢]. حاشية الدسوقي، الدسوقي المالكي، ج ٣، ص ١٤٠.
[٣]. المصدر السابق.
[٤]. الاستبصار، ج ٣، ص ١١٤، ح ٥.
[٥]. انظر: سنن أبيداود، ج ٣، ص ٢٧٢ و سنن ابن ماجة، ج ٢، ص ٧٤١.
[٦]. انظر: المنتهى، ج ٢، ص ١٠٠٧؛ موسوعة الفقه الإسلامي، ج ٣، ص ١٩٨، في فصل «الرقابة على النظام الإقتصادي» وسيأتي بحث في هذا المجال من هذا الجزء أيضاً.